وطن-تتسارع وتيرة الجهود السياسية في جنوب آسيا لاحتواء التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، مع طرح مبادرة جديدة تهدف إلى تجميد العمليات العسكرية بشكل فوري ومؤقت، تمهيدًا لاتفاق شامل خلال أسابيع قليلة.
تشير مصادر دبلوماسية إلى أن باكستان سلّمت رسميًا، عبر قنواتها السياسية والعسكرية، مقترحًا إلى الجانبين الأمريكي والإيراني يقضي بإعلان وقف نار فوري، يعقبُه تفاوض مكثّف لإنجاز اتفاق نهائي في فترة تتراوح بين 15 و20 يومًا. هذه المبادرة التي أُطلق عليها مبدئيًا اسم «اتفاقات إسلام آباد»، تخضع حاليًا للدراسة من الطرفين وسط حالة من القلق الإقليمي بشأن اتساع رقعة المواجهة.
ويؤكد مصدر مطلع أن رئيس أركان الجيش الباكستاني، الفريق عاصم منير، أمضى ليلًا طويلًا على اتصالات متواصلة شملت نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس والمبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في محاولة لإحداث اختراق سياسي قبل أن تنفجر الأوضاع. كما ناقش وزراء خارجية مصر والسعودية وباكستان وتركيا، خلال اجتماعهم في إسلام آباد أواخر مارس/آذار 2026، آليات خفض التصعيد في المنطقة وإمكانية فتح مسار سياسي يمنع تدحرج الأزمة إلى حرب مفتوحة.
وعلى الرغم من نبرة التفاؤل المحدودة، حذّر مراقبون من أن احتمال التوصل حتى إلى هدنة جزئية خلال الثمانٍ والأربعين ساعة المقبلة ما يزال ضعيفًا. فالمقترح الباكستاني يُنظر إليه بوصفه آخر محاولة لتفادي إنذار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي لوّح في تصريحات لموقع أمريكي بأنه سيلجأ إلى “تفجير كل شيء هناك” إذا لم يتم التوصل لاتفاق.
لكن طهران من جانبها تبدي رفضًا لأي إجراءات مؤقتة لا تترافق مع ضمانات دائمة. فقد نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني رفيع قوله إن بلاده لن تفتح مضيق هرمز مقابل وقف نار مؤقت، معتبرًا أن واشنطن غير مستعدة بعد لالتزام هدنة دائمة، وأن طهران ترفض فرض جداول زمنية ضاغطة أو “ابتزازًا دبلوماسيًا” ـ على حد تعبيره.
وفي موقف يعكس التباين داخل الأوساط الإيرانية، كتب مجيد شكَري، المستشار السابق لرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، على منصة «إكس» أن وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار سيكون في مصلحة باكستان وتركيا والولايات المتحدة، لكنه يضر بإيران، مستغربًا “جرأة” من طرحوا مثل هذا المقترح.
من جهة أخرى، أوردت صحيفة أمريكية أن جهود الوساطة الباكستانية كادت تنهار بعد رفض طهران لقاء الموفدين الأمريكيين في إسلام آباد بسبب ما وصفته بأنها مطالب “غير مقبولة” من الجانب الأمريكي.
تأتي هذه التطورات فيما يعيش الشرق الأوسط على وقع تداعيات إغلاق إيران لمضيق هرمز ردًا على القصف الأمريكي الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من شهر، ما أدى إلى شلّ ما يقارب خمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي. أما الخسائر البشرية فكانت فادحة؛ إذ أعلنت وزارة الصحة الإيرانية سقوط 2076 قتيلًا و26500 جريح جراء الغارات، في حين قدّرت وكالة حقوقية مقرها الولايات المتحدة العدد بأكثر من 3531 ضحية بينهم 1607 مدنيين وما لا يقل عن 244 طفلًا.
تفاقمت الأزمة الحالية مع سلسلة تهديدات أطلقها الرئيس ترمب، متعهدًا بضرب الجسور ومحطات الطاقة إذا لم تُفتح الممرات البحرية بحلول مساء الثلاثاء بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي. وكانت لهجة التهديد شديدة وغير مسبوقة في منشور له على منصته الإلكترونية، أعقبت تهديداته السابقة في مارس حين لوّح بـ”محو” منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح المضيق “كاملًا” خلال 48 ساعة. لكن الرئيس الأمريكي عاد بعد يومين وأعلن تأجيل الضربة المحتملة خمسة أيام بدعوى وجود “محادثات بناءة” مع طهران، وهي رواية نفتها الخارجية الإيرانية تمامًا.
ومع اقتراب نهاية مهلة جديدة منحها ترمب قبل مساء الاثنين، يبقى المشهد غارقًا في ضباب المساومات غير المكتملة؛ إذ يلوّح البيت الأبيض باستخدام القوة فيما تراهن القوى الإقليمية على حل تفاوضي يوقف النزيف.
في ظل هذا الاحتقان، يرى مراقبون أن وساطة إسلام آباد تمثل اختبارًا لقدرة الدبلوماسية الإقليمية على كبح دوامة التصعيد، وأن أي نجاح – ولو محدود – في التوصل إلى تهدئة أولية قد يفتح نافذة أمل مؤقتة وسط أزمة جعلت أمن الطاقة العالمي والتوازن الإقليمي على المحك.
تبدو المبادرات السياسية اليوم كخيط الأمل الأخير لتفادي صدام أوسع في واحدة من أكثر رقع العالم قابلية للاشتعال. فوقف النار، حتى وإن كان مؤقتًا، يحمل في طياته فرصة لإنقاذ الأرواح وتحريك عجلة التفاوض قبل أن يغلق الدخان كل الأبواب.
اقرأ المزيد
“جزيرة خارك” إلى أسواق النفط: كيف يهدد كبرياء ترامب وعناد إيران بجحيم عالمي؟












