وطن-في خضمّ الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجددت التساؤلات حول علاقة واشنطن بالحركات الكردية المناهضة للنظام الإيراني، بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أنّ بلاده أرسلت «أسلحة إلى المتظاهرين الإيرانيين عبر الأكراد». هذا التصريح أثار دوامة من النفي والارتباك في الأوساط الكردية، التي سارعت قياداتها إلى التأكيد أنّها لم تتلقَّ أي دعم عسكري من واشنطن.
نفي واسع من القوى الكردية
عدد من قادة الأحزاب الكردية الإيرانية، الذين ينتشر مقاتلوهم في مناطق شمال العراق، أكدوا أنّ ما ورد على لسان ترامب لا يمتّ إلى الواقع بصلة. قال سيامند مويني، أحد قادة حزب «الحياة الحرة الكردستاني» (PJAK)، إن حركته «لم تتلقَّ شيئًا» من الجانب الأمريكي، مفضّلًا عدم الخوض في ما إن كانت جهات أخرى حصلت على دعم مماثل.
هنا يبرز صوت آخر، هو هناء يزدانبناه، مسؤولة العلاقات الخارجية في «حزب الحرية الكردستاني» (PAK)، والتي شددت على أنّ سلاح مقاتليها «هو ذاته الذي استخدموه في معاركهم ضد تنظيم داعش لسنوات»، مضيفة: «لم نتسلّم قطعة واحدة من السلاح من الولايات المتحدة حتى اللحظة».
تصريحات واتّهامات متناقضة
جاءت تصريحات ترامب لتضيف مزيدًا من الغموض إلى المشهد، إذ كان قد صرّح في وقت سابق بأنه «لن يسمح للأكراد بخوض معارك داخل إيران»، بعد أن أعلن بداية الشهر أنه سيدعم أي تحرّك كردي ضد طهران. هذا التذبذب في الموقف الأمريكي أثار استغراب القيادات الكردية الإيرانية، التي تمتلك قرابة ستة آلاف مقاتل لكنها لم تدخل في أية مواجهات خلال الحرب الجارية منذ 28 فبراير.
من جانبه، نفى القائد الكردي العراقي سِروان بارزاني تقارير تحدثت عن مساعدة أكراد العراق لمقاتلين إيرانيين في عبور الحدود، مؤكدًا أنّ «مثل هذه التحركات غير مطروحة على الإطلاق».
خلفية الاحتجاجات
تأتي هذه المستجدات على خلفية المظاهرات الواسعة التي اجتاحت إيران أواخر ديسمبر، واستمرت أسبوعين قبل أن تُقمع بعنف وسط انقطاع شامل للإنترنت. ووفق منظمة العفو الدولية، فقد ارتكبت السلطات ما وصفته بـ«مجازر» ضد آلاف المحتجين في 8 و9 يناير، بينما تحدثت الحكومة الإيرانية عن مقتل مئات من عناصر الأمن خلال المواجهات.
المحللة المتخصصة في شؤون الأمن الإقليمي شكرية برادوست أوضحت أن الأحزاب الكردية الإيرانية، رغم علاقاتها مع منظمات مدنية داخل البلاد، «لم تتلقَّ أي إمدادات عسكرية» خلال تلك الأحداث، متسائلة: «حتى لو وُزِّعت أسلحة، مَن كان سيستلمها؟ هل كان المطلوب إشعال حرب أهلية بمحتجين ليست لديهم خبرة قتالية؟».
على الأرض: هجمات وضحايا
ورغم نفي الأكراد تلقيهم الدعم الأمريكي، فإنّ مناطقهم لم تكن بمنأى عن تداعيات الحرب. فقد أعلن «حزب خبات» الكردستاني، الذي يتخذ من شمال العراق مقرًا له، أن معقله في جبال بشيقه تعرّض في 13 مارس لهجوم بطائرات مسيّرة أسفر عن مقتل اثنين من مقاتليه. وأشار أمينه العام باباشيخ حسيني إلى أن معظم أسلحة الحزب ومعداته «تدمّرت بالكامل نتيجة القصف الإيراني».
كذلك أكدت تقارير كردية أنّ أكثر من 650 صاروخًا وطائرة مسيّرة استهدفت إقليم كردستان العراق منذ نهاية فبراير، ما أدى إلى مقتل 14 شخصًا، بينهم خمسة من عناصر المعارضة الكردية الإيرانية في أحزاب «باك» و«كومله» و«خبات»، فضلًا عن إصابة 93 آخرين. كما رُصدت ثلاث هجمات جديدة بطائرات مسيّرة على قواعد «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» (PDKI) في ناحية كوية بمحافظة أربيل.
من جهته، شدّد نائب الأمين العام للحزب، مصطفى مولودي، على أنّهم لم يرسلوا «أي سلاح إلى أهلنا في روژهلات» (كردستان إيران)، موضحًا أن ذلك «يُعدّ أمرًا غير ممكن قانونيًا ولا عمليًا عبر الأراضي العراقية». وأضاف أنّ «الاحتجاج لا يُمارس بالسلاح، فحين تُرفع البنادق يتحول الأمر إلى حرب».
أما المتحدث باسم حزب «كومله» كاكو أليار، فأكد أنهم لم يكونوا على علم بتصريحات ترامب، وقال: «لم يُجرَ أي تواصل معنا بشأن إرسال أسلحة، وحزبنا لم يتسلّم شيئًا».
الرسالة الأوسع
تكشف هذه المواقف عن هشاشة التوازن القائم في المنطقة، حيث تجد الأحزاب الكردية نفسها وسط معادلة معقدة بين مواجهة النظام الإيراني والحفاظ على عدم الانخراط في صراعات إقليمية قد تحوّل أراضيها إلى ساحة حرب بالوكالة. وبين التصريحات الأمريكية المتقلّبة، والنفي القاطع من الجانب الكردي، يبقى المشهد ضبابيًا حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس، فيما يدفع المدنيون في شمال العراق وإيران الثمن الأكبر من أرواحهم واستقرارهم.
وفي ظل تصاعد الدمار وحملات القصف، تبدو الرسالة الإنسانية أكثر إلحاحًا: أنّ النزاعات الإقليمية لا تُحلّ بالسلاح، بل بالحوار، وأن تحويل أصوات الاحتجاج إلى أصوات الرصاص لا يجلب سوى المزيد من الفقد والانقسام.
اقرأ المزيد
لمنع الانزلاق نحو الحرب.. العراق يهدد بـ قبضة عسكرية على حدود كردستان وإيران
سيناريو “الغزو البري”: هل يشارك أكراد إيران في هجوم مدعوم أمريكياً ضد طهران؟
تصعيد جديد بين طهران والمعارضة الكردية: غارات إيرانية تطال قواعد في أربيل وسط تحركات دفاعية أميركية












