وطن-في تطور يعكس حالة التوتر المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته الحادة، متوعدًا بـ”تدمير شامل” للبنية التحتية الحيوية في إيران ما لم تستجب طهران لشروطه قبل الثامنة مساءً بتوقيت واشنطن، مساء الثلاثاء المقبل. تهديد ترامب شمل قطاعات الطاقة والاتصالات والمياه، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف من اتساع رقعة النزاع وبلوغها مستوى غير مسبوق من التصعيد.
وعلى الرغم من أن إيران رفضت حتى الآن الشروط الأمريكية، متمسكة بأنها ما زالت تمتلك أوراق ضغط فاعلة في الحرب الدائرة منذ سبعة أسابيع، إلا أن تصريحات ترامب الأخيرة جاءت أكثر تحديًا مما مضى. فقال للصحفيين خلال فعالية سنوية بالبيت الأبيض: “نحن نحطم ذلك البلد، ولا نريد أن نفعلها، لكنهم لا يقبلون الواقع… وإذا استمروا في العناد، فلن يبقى لديهم جسور ولا محطات طاقة ولا شيء.”
وعندما سأله أحد المراسلين عن ما إذا كان استهداف منشآت مدنية يعد جريمة حرب، أجاب ترامب مدافعًا عن موقفه بالقول إن “الحكومة الإيرانية قتلت 45 ألف شخص خلال الشهر الماضي”. لكن لم تتمكن أي جهة مستقلة من التحقق من هذا الرقم؛ بينما تفيد الإحصاءات الرسمية الإيرانية أن عدد القتلى في الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في يناير لم يتجاوز أربعة آلاف، بينهم عناصر من قوات الأمن.
وأضاف ترامب: “إنهم لا يفهمون إلا لغة القوة… عندما لا يسمعون أصوات القنابل يعتبرون أننا توقفنا عن دعم حريتهم.”
شجب إيراني للموقف الأمريكي
من جانبه، وصف السفير الإيراني في أرمينيا، خليل شيرغولامي، موقف ترامب بأنه “نهج متشدّد غير قابل للحياة”، مضيفًا أن الرئيس الأمريكي “خان الدبلوماسية أكثر من مرة، ونسف طاولة المفاوضات بالقنابل”. جاء ذلك خلال مشاركته في ندوة افتراضية نظمتها جهة بحثية أمريكية.
وأشار الدبلوماسي الإيراني إلى أن الولايات المتحدة “ليست في موقع ميداني يمكّنها من فرض شروطها المسبقة”، في إشارة إلى ما يُعرف بـ”خطة النقاط الخمس عشرة” التي طرحتها واشنطن الشهر الماضي عبر وسطاء باكستانيين، وطالبت فيها إيران بوقف تام لتخصيب اليورانيوم وتفكيك قدراتها الصاروخية.
وفي اليوم ذاته، طرحت باكستان مقترحًا جديدًا يحمل اسم “اتفاق إسلام آباد”، يتضمن مرحلتين: وقفًا فوريًا لإطلاق النار يعقبه اتفاق شامل خلال مدة تتراوح بين 15 و20 يومًا. لكن طهران رفضت الصيغة، مؤكدة أنها تسعى إلى “إنهاء دائم للعدوان”، وإنشاء آلية مشتركة تضمن أمن الملاحة في مضيق هرمز وتعويض الخسائر الناتجة عن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
موقف واشنطن وتباين الروايات
وفي مؤتمره الصحفي في البيت الأبيض، امتنع ترامب عن الخوض في تفاصيل وقف إطلاق النار، مكتفيًا بالقول إن هناك “طرفًا مستعدًا على الجانب الآخر”، في إشارة ضمنية إلى انفتاح محتمل من طهران. لكنه أكد من جديد أن أي اتفاق “يجب أن يكون مقبولًا من وجهة نظره”، موضحًا أن من ضمن شروطه “حرية مرور النفط وجميع البضائع الحيوية”.
أما السفير شيرغولامي، الذي تحدث قبل المؤتمر، فاستشهد بمثل شعبي يقول: “اخدعني مرة فالعار عليك، اخدعني مرتين فالعار عليّ”، مضيفًا أن هذا المبدأ يمثل “جوهر التفكير الاستراتيجي الإيراني”، مؤكدًا أن طهران لم تعد تثق بالوعود الأمريكية دون ضمانات حقيقية تحمي سيادتها وحقوقها في الطاقة النووية السلمية.
“النفط مقابل السيطرة”
وفي جزء آخر من تصريحاته، عبّر ترامب عن رؤيته الاقتصادية للصراع بقوله إنه لو كان القرار بيده فقط، “لأخذ النفط الإيراني”، مضيفًا: “إنه موجود هناك ويمكننا الاستحواذ عليه بسهولة، لكن الشعب الأمريكي يريد عودتنا… لو كان القرار لي، لأخذت النفط واحتفظت به وجنيت الكثير من المال.”
وحين سُئل لاحقًا عن تلك التصريحات، أجاب: “أنا رجل أعمال قبل أي شيء آخر.” ثم ألمح إلى إمكانية السيطرة على مضيق هرمز نفسه، قائلاً: “بدل أن نفرض عليهم رسوم عبور، لماذا لا نفرضها نحن؟ نحن من انتصر.”
وفق الترتيبات الحالية، لا يزال المضيق مفتوحًا، لكن من خلال نظام عبور ثلاثي المستويات: دول صديقة لإيران تمر بحرية، ودول تدفع بالعملة الصينية “اليوان” تحصل على حق المرور التجاري، بينما تُمنع السفن ذات الصلة بالولايات المتحدة أو إسرائيل من العبور.
الأبعاد القانونية والإنسانية
يحظر القانون الدولي وتحديدًا اتفاقيات جنيف لعام 1949، استهداف المرافق التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء على قيد الحياة، مثل شبكات المياه والكهرباء. ويثير التهديد الأمريكي الشكوك حول الالتزام بهذه المعاهدات، إذ يمكن أن يؤدي استهداف تلك المنشآت إلى كارثة إنسانية كبرى، تضاعف من معاناة السكان وتؤجج الغضب الإقليمي والدولي.
دعوة لتغليب الدبلوماسية
وسط هذا التصعيد المتبادل، تبرز أصوات تدعو إلى الحفاظ على قنوات التفاوض وإيجاد حلول تضمن الاستقرار الإقليمي وسلامة المدنيين. فبين لغة التهديد الأمريكي والرفض الإيراني لأي تنازل يمسّ سيادتها، يبقى الأمل معقودًا على مبادرات تتيح استعادة مسار الحوار وتجنّب مواجهة قد تمتد آثارها إلى أمن المنطقة والعالم.
اقرأ المزيد
“فخ أم فرصة؟”: كواليس المبادرة الباكستانية بين رفض طهران وتهديدات ترامب.. هل ينجو الشرق الأوسط؟












