وطن-بعد أسابيع من التصعيد العسكري الحاد بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقه من تهديدات متبادلة بلغت حدّ إعلان “نهاية الحضارة الإيرانية” وفق تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شهدت طهران في 8 أبريل/نيسان 2026 تجمعات شعبية بعد إعلان هدنة تمتد لأسبوعين بين الطرفين، لتبدأ مرحلةً جديدة من المفاوضات قد يُعاد خلالها رسم المشهد الإقليمي برمّته.
اتفاق غير مسبوق
قَبِل ترامب مبدئيًا بخطة مكوّنة من عشرة بنود طرحتها إيران كأساس للتفاوض، واصفًا إياها بأنها “قابلة للتطبيق”. غير أن هذا القبول أثار ردود فعل غاضبة في إسرائيل، حيث وصف زعيم المعارضة يائير لابيد الاتفاق المقترح بأنه “أسوأ كارثة سياسية” في تاريخ بلاده. وإذا ما تمّ تبنّي الخطة بصورتها الأساسية، فإنها ستُعدّ تراجعًا أميركيًا كبيرًا بعد الهجوم الأميركي – الإسرائيلي المشترك على إيران أواخر فبراير/شباط الماضي.
ما الذي تتضمنه الخطة الإيرانية؟
على الرغم من وجود تباينات بين النسختين الإنكليزية والفارسية المنشورتين للخطة، فإن جوهرها واحد: إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي بما يمنح طهران موقعًا متقدّمًا في إدارة ملفات الطاقة والأمن.
مضيق هرمز… بوابة الضغط الاقتصادية
يتصدّر المضيق الحيوي بنوده الخطة. فالمقترح الإيراني ينص على إعادة فتحه أمام الملاحة الدولية بعد أن تسبب إغلاقه المؤقت بتراجع حاد في الاقتصاد العالمي، شلّ نحو 20% من حركة النفط العالمية. وتطرح طهران فرض رسوم بقيمة مليوني دولار على كل سفينة تعبر المضيق، توزع مناصفة مع سلطنة عُمان، على أن تُستخدم العائدات في إعادة إعمار البنى التحتية المتضررة داخل إيران جراء القصف الأميركي – الإسرائيلي. كما تخطط طهران لوضع قواعد تضمن “مرورًا آمنًا” للسفن، ما يمنحها نفوذًا جديدًا في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
رفع العقوبات بالكامل
تُعدّ مسألة العقوبات أبرز نقاط الخطة وأكثرها حساسية. فمنذ انسحاب ترامب عام 2018 من الاتفاق النووي الموقّع عام 2015 واعتماده سياسة “الضغوط القصوى”، تدهور الاقتصاد الإيراني وارتفعت نسب الفقر والبطالة، فيما ازدهرت الأسواق الموازية التي وسّعت نفوذ جماعات اقتصادية داخلية. الآن تطالب طهران بإلغاء كلّ العقوبات الأساسية والثانوية المفروضة عليها منذ عام 1987، وهو ما يعني ـ في حال تنفيذه ـ تحولاً جذريًا في مسار العلاقات بين البلدين بعد أربعة عقود من العداء.
ضمانات أمنية وانسحاب أميركي محتمل
أدرجت إيران أيضًا بندًا يشترط ضمانات تمنع أي هجوم جديد عليها أو على حلفائها الإقليميين، وتشمل هذه الضمانات ضمناً إسرائيل، الأمر الذي يثير جدلاً واسعًا في تل أبيب. كما دعت الخطة إلى سحب القوات الأميركية من “المنطقة”، وهي عبارة تبقي تعريفها مفتوحًا، لكنها تُفهم ضمنيًا بأنها تشمل القوات المنتشرة في الخليج منذ اندلاع الحرب في فبراير. خطوة كهذه، إن تمت، قد تُحدث فراغًا أمنيًا كبيرًا وتغيّر موازين القوى التقليدية في الشرق الأوسط.
حلفاء طهران تحت المظلة
من البنود اللافتة أيضًا دعوةٌ لإنهاء الهجمات على حلفاء إيران في المنطقة، في إشارة إلى ما يُعرف بمحور “المقاومة” الذي يضم جماعات مثل حزب الله في لبنان وحماس في غزة. ورغم رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقف العمليات العسكرية في لبنان، ترى طهران في هذا البند ضرورةً لترسيخ التهدئة الشاملة.
قضايا غامضة بين النصين
أثارت المقارنة بين النسخ الفارسية والإنكليزية من الخطة تساؤلات إضافية. فالنسخة الفارسية تتحدث بصراحة عن حق إيران في مواصلة تخصيب اليورانيوم، بينما تغيب هذه الإشارة عن النسخة الإنكليزية الموجّهة إلى الإعلام الدولي. كذلك يتضمن النص الفارسي بندًا يتعلق بتعويضات مالية تطالب بها إيران عن الخسائر البشرية والمادية جراء الحرب، إذ تشير تقارير إلى مقتل أكثر من 3,500 شخص، بينهم 244 طفلًا، وفق بيانات منظمة إيرانية غير حكومية. لكن هذا المطلب لم يُذكر في الإصدارات الغربية من الوثيقة.
وصف المؤرخ الإيراني إسكندر صديقي بوروجردي، أستاذ بجامعة سانت أندروز، الخطة بأنها “أوسع بكثير من الاتفاق النووي السابق”، مؤكّدًا أنها ليست اتفاقًا نوويًا بقدر ما هي “إعادة هيكلة شاملة للنظام الإقليمي لمصلحة إيران”. ويرى أن التباين بين النصوص يعكس محاولة كلا الطرفين إرسال رسائل متباينة لجمهوره الداخلي، بينما تبقى الفجوات بين المواقف كبيرة في المفاوضات المقبلة المقررة في إسلام آباد.
قراءة في المرحلة المقبلة
على الرغم من الأجواء الإيجابية التي راوحت بين التفاؤل والحذر، فإن الطريق إلى اتفاق دائم ما يزال طويلًا ومتعرّجًا. فكل بند من بنود الخطة يفتح ملفًا حساسًا يتصل بتوازنات القوى في الخليج وبمستقبل الوجود الأميركي في المنطقة. ومع ذلك، تمثل هذه الهدنة القصيرة ـ مهما بدت مؤقتة ـ فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس في حرب أرهقت المدنيين وأغرقت المنطقة في قلق دائم.
تؤشر هذه التطورات إلى أن خفض التصعيد، حتى إن انطلق من دوافع سياسية متبادلة، يمكن أن يفتح نافذة للأمل في شرق أوسط طالما كان رهينة الاصطفافات والتهديدات. أما الطريق إلى السلام، فلن يمرّ إلا عبر إرادة تُعيد إلى الشعوب حقّها في الأمن والاستقرار، بعيدًا عن لعبة القوة التي حوّلت المعاناة الإنسانية إلى ورقة تفاوض.
اقرأ المزيد












