وطن-لم تعد الحروب في منطقتنا تُدار فقط على الأرض أو خلف شاشات الرادار؛ بل صارت تُدار أيضًا في غرف التحرير. هناك، قبل أن تصل الصورة إلى الجمهور، تُعاد صياغة العالم في سطورٍ وعناوين، لتتشكّل الحقيقة وفق زوايا يختارها الصحفيون، أحيانًا بوعي، وأحيانًا تحت ضغط الزمن والسياق.
في تغطية الأحداث الأخيرة بين إيران وإسرائيل، برز هذا المشهد بوضوح داخل واحدة من أبرز القنوات الإخبارية في المنطقة. لم يعد المشاهد أمام رواية واحدة للحرب، بل أمام سردين متوازيين يقدمان وقائع متشابهة بلغة متباينة؛ أحدهما يرى في الهجوم الإيراني ردًا محسوبًا ضمن منطق “الردع”، والآخر يقرؤه بوصفه “تصعيدًا” يهدد الاستقرار الإقليمي. وبين الروايتين، تتعدد المفردات: “السيادة” في مقابل “التهديد”، و“الرد” في مقابل “التصعيد”.
لا تُمثل هذه الازدواجية صراعًا بين التقارير بقدر ما تعبّر عن ساحة خفية يُعاد فيها تشكيل المعنى. فالسؤال لم يعد: أين الحقيقة؟ بل: أيّ نسخة من الحقيقة تُعرض الآن أمامنا؟
حين يصبح الحياد قرارًا محرّكًا
في نظرية الصحافة، يُقال إن الموضوعية هدفٌ منشود أكثر منها ممارسة واقعية. فكل خبرٍ يبدأ باختيار زاوية، وينتهي بجملة تُعيد ترتيب الأولويات. الدعوة لمقابلة ضيف دون آخر، أو اختيار مصطلح بعينه لوصف الموقف، أو تقديم معلومة على حساب أخرى، كلها تفاصيل تبدو تقنية، لكنها في مجموعها تصنع الرواية التي يتلقاها الجمهور.
شعار «الرأي والرأي الآخر» الذي عُرف في الإعلام العربي يبدو، في كثير من الأحيان، أشبه بآلية لإدارة التناقض لا لحله. فهو يخلق توازنًا شكليًا، لكن وراء الكواليس تستمر القرارات التي تمنح خطابًا ما مساحة أوسع من غيره.
توتر داخلي يعيد تشكيل الخط التحريري
في عمل القناة المذكورة أعلاه، لا يظهر الخط التحريري كجدارٍ صلبٍ واحد، بل كحقل مفتوح يتنازع فيه اتجاهان سرديان: الأول يمنح إيران صورة القوة الإقليمية التي تعيد رسم موازين النفوذ، ويُبرز أصواتًا تندرج ضمن خطاب “المقاومة”، أما الثاني فيتخذ موقع الحذر، مركّزًا على الملف النووي والعلاقات الأمنية باعتبارها مصدر اضطراب لا توازن.
هذا التباين لا ينعكس في النصوص المعلنة فحسب، بل في نبرة المحاور، وطريقة طرح الأسئلة، والمسافة بين المذيع وضيوفه. ففي الحوارات مثلاً، تُوجَّه الأسئلة إلى مؤيدي إيران بنَفَسٍ تفسيري، بينما تأخذ طابعًا فَحَصيًا مع المنتقدين. فروق طفيفة في النغمة كفيلة بتوليد تصورات مختلفة لدى الجمهور، حتى لو تابعوا البرنامج ذاته.
بين التعدد والضياع
لا تكمن القضية في وجود أصوات متباينة، بل في غياب تعريفٍ واضح لدور الوسيلة الإعلامية نفسها: هل هي مرآة تنقل التناقضات كما هي، أم لاعبٌ يسعى لتوجيهها نحو رؤية محددة؟ فالموقع في “الوسط” لا يعني دائمًا توازنًا؛ أحيانًا يُخفي تردّدًا في اتخاذ موقف.
تمنح هذه المرونة المنبر الإعلامي قدرة على الوصول لجماهير واسعة، لكنها تُحدث في الوقت نفسه شعورًا بالضباب لدى المشاهد، الذي يبحث في أوقات الأزمات عن يقينٍ ولو مؤقت، لا عن تعددٍ مربك. ومع تكرار هذا النمط، تترسّخ لدى المتلقي قناعة بأن الحقيقة متغيرة، وأن كل رواية يمكن نقضها في اللحظة التي تُعرض فيها.
الإعلام مرآة التشتت الإقليمي
هذا المشهد لا يخص مؤسسة إعلامية بعينها، بل يعبّر عن واقعٍ أوسع في المنطقة، حيث تحوّلت الحقيقة من أرضٍ للتوافق إلى مساحة نزاع، لكل طرف فيها أدواته ومنصاته وجمهوره. في هذا السياق، يغدو الإعلام انعكاسًا مُمكِّناً لتلك الانقسامات أكثر من كونه جسرًا لتقريبها.
اقرأ المزيد
“أسرار غرفة المفاوضات”: لماذا وصف ترامب شروط طهران بـ “الواقعية”؟ وما الذي تعهد به لنتنياهو سراً؟












