وطن-في تطور جديد يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي في شرق أفريقيا، كشفت صور أقمار صناعية وتحقيقات ميدانية عن وجود قاعدة عسكرية إثيوبية في مدينة “أسوسا” بمنطقة بني شنقول-قمز، يُعتقد أنها توفر دعماً لوجستيًا لقوات الدعم السريع السودانية، وسط مسار طويل من النزاع الذي يهدد استقرار المنطقة منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023.
تشير تحليلات أعدّها مختبر البحوث الإنسانية التابع لكلية الصحة العامة في جامعة ييل إلى أن القاعدة التابعة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية شهدت منذ ديسمبر الماضي نشاطًا مكثفًا، يتّسق مع نمط الدعم العسكري الميداني. فقد أظهرت الصور الجوية تحركات متكررة لشاحنات نقل ومركبات قتالية، وإقامة خيام قادرة على استيعاب نحو 150 مقاتلًا، وتوزيع إمدادات عسكرية ولوجستية داخل الموقع.
ووثّقت الصور الملتقطة بين ديسمبر ومارس وجود ما لا يقل عن 200 مركبة قتالية خفيفة داخل القاعدة، بعضها خضع لتجهيزات تسليحية لتركيب رشاشات ثقيلة، وهي المركبات ذاتها التي ظهرت لاحقًا في تسجيلات مصوّرة لمعارك دائرة بولاية النيل الأزرق السودانية. وتشير صور أخرى إلى أن مركبات مطابقة في الشكل واللون شوهدت لاحقًا خلال معارك مدينة “كرمك” الحدودية، التي سقطت بيد قوات الدعم السريع وحلفائها نهاية مارس الماضي.
ويكشف تقرير جامعة ييل، الذي يتزامن مع أدلة مصوّرة أخرى منشورة على الإنترنت، عن ارتباط واضح بين المركبات المنقولة إلى أسوسا وبين ميناء بربرة في أرض الصومال، وهو ميناء يخضع لإدارة إماراتية ويُعد جزءًا من شبكة قواعد تمتد عبر البحر الأحمر وخليج عدن.
خيوط الدعم والاتهامات المتبادلة
أكدت مصادر عسكرية ودبلوماسية عدة –منها ضباط حاليون وسابقون في الجيش الإثيوبي، وخبراء من الجيش والمخابرات السودانية، ودبلوماسي أوروبي، ومستشار سابق في الخارجية الإثيوبية– أنّ القاعدة موجودة فعلاً، وأنها تُستخدم في أنشطة مرتبطة بقوات الدعم السريع، رغم أن موقعها ظل طيّ السرية. وأضافت المصادر أن الإمارات تمثل عنصرًا محوريًا في هذا الدعم غير المعلن، رغم نفيها المتكرر لأي تورط في الصراع السوداني.
وتشير هذه المعلومات إلى أن العلاقات المتشابكة بين الإمارات وإثيوبيا ازدادت عمقًا منذ تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018، إذ تحولت أبوظبي إلى شريك اقتصادي وأمني مؤثر في سياسات أديس أبابا الإقليمية، خاصة بعد توتر العلاقات الإماراتية مع الصومال عقب إعلان الأخيرة في يناير الماضي إلغاء اتفاقات موانئها مع الإمارات في بربرة وبوصاصو.
تحليل الخبراء يربط هذا التعاون بتحولات جيوسياسية أوسع؛ فإثيوبيا تسعى، وفق مراقبين، إلى تعزيز مكانتها الإقليمية عبر محاور جديدة ترتبط بمصالح أبوظبي في البحر الأحمر، في مواجهة تكتلات أخرى تقودها مصر وإريتريا.
النشاط العسكري والخلفية الميدانية
تُظهر بيانات الملاحة الجوية التي حللتها جامعة ييل تحركات متكررة لطائرات شحن من طراز IL-76 مرتبطة بالإمارات، قادمة من أبوظبي إلى مطارات إثيوبية عدة، من بينها مطار بحر دار القريب من أسوسا. كما رُصدت في فبراير ومارس طائرات نقل عسكرية ومروحيات داخل القاعدة، من بينها طائرة يُعتقد أنها من طراز C-130 المشغل من قبل الإمارات.
وخلال الفترة ذاتها، رصدت صور الأقمار الصناعية تكثيفًا للوجود العسكري في القاعدة تزامن مع تصاعد الهجمات التي شنتها قوات الدعم السريع على مواقع الجيش السوداني في ولايتي النيل الأزرق ودارفور. ويؤكد التقرير أن أنماط النشاط في أسوسا تختلف جذريًا عن باقي القواعد الإثيوبية المجاورة، ما يجعلها “نقطة لوجستية رئيسية” بحسب وصف مختبر ييل.
أزمة إنسانية وإدانة دولية
وفي موازاة هذا التصعيد، خلصت بعثة لتقصي الحقائق تابعة للأمم المتحدة إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم إبادة جماعية أثناء سيطرتها على الفاشر، عاصمة شمال دارفور، حيث نقل شهود عيان روايات عن عمليات قتل واغتصاب وإعدامات ميدانية.
ويرى مراقبون أن هذا الدعم الخارجي، أياً كان مستواه، يفاقم المأساة الإنسانية في السودان التي أسفرت حتى الآن عن مقتل مئات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليون شخص من منازلهم، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية حول العالم.
دوافع إثيوبيا.. وتوازنات الحرب
يُرجع محللون تورط أديس أبابا في الصراع إلى حسابات سياسية وأمنية مزدوجة. فمن جهة، تواجه الحكومة الإثيوبية توتراً مزمناً مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان منذ حرب تيغراي عام 2020، حين دعمت الخرطوم جبهة تحرير تيغراي. ومن جهة أخرى، تعتبر القيادة الإثيوبية أن بقاء حدودها الغربية مستقرة مرتبط بتفاهمات غير معلنة مع الإمارات وقوات الدعم السريع، خصوصاً في ظل تراجع علاقاتها مع السودان ومصر.
وكان مستشارون مقربون من آبي أحمد قد أكدوا في تصريحات سابقة أن إثيوبيا “لا يمكنها أن تظل متفرجة على ما يجري في السودان”، وأن عليها “حماية مصالحها الاستراتيجية” قرب منابع النيل وعلى خطوط التجارة عبر البحر الأحمر.
خلف الستار الإقليمي
وعلى الرغم من الاتهامات المباشرة لأديس أبابا، فإن الساحة الإقليمية تبدو معقدة؛ إذ تعتمد قوات الدعم السريع على قنوات إمداد تمتد من تشاد وحتى إثيوبيا، بينما يتلقى الجيش السوداني دعمه الأساسي من تركيا ومصر. هذه الشبكة المتداخلة من التحالفات تجعل الحرب السودانية مرآة لصراع نفوذ أوسع يشمل دول القرن الأفريقي ودول الخليج وإسرائيل.
تسلّط هذه التطورات الضوء على حجم التداخل بين الأزمات الإقليمية في شرق أفريقيا، حيث يتقاطع الأمن القومي بالمصالح الاقتصادية والسياسية العابرة للحدود. وبينما يستمر النزاع في التوسع ويمتد أثره الإنساني إلى ملايين المدنيين، يبرز السؤال الأخلاقي والإنساني حول مسؤولية الأطراف الإقليمية عن إطالة أمد الحرب ومعاناة السكان العالقين في ميادينها.
إن ما تكشفه صور الأقمار الصناعية ليس مجرد نشاط عسكري في منطقة نائية، بل إنذار جديد حول طبيعة الحروب بالوكالة التي تتشكل بصمت، وتغيّر موازين القوى في المنطقة دون أن يلحظ العالم ثمنها الإنساني الهائل.
اقرأ المزيد
تقرير يكشف تحويل الإمارات لإثيوبيا إلى منصة عسكرية لإدارة الصراع في السودان
تقرير نيويورك تايمز يكشف قاعدة عسكرية مصرية سرية وراء هجمات مسيّرات في السودان
الكونغرس الأمريكي يرفع الكارت الأحمر ضد الإمارات بسبب السودا












