وطن-بينما انشغلت المنطقة بتطورات الحرب على إيران، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية أن حكومة الاحتلال صادقت سرًّا على أكبر دفعة من مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية منذ سنوات، في خطوة وُصفت بأنها تسريع غير مسبوق لمسار ضمّ الأراضي الفلسطينية فعليًا.
ووفقًا لما أوردته القناة الإسرائيلية i24NEWS، فقد أقرّ مجلس الوزراء الإسرائيلي إنشاء 34 مستوطنة جديدة في قرار واحد خلال فترة الحرب، وهو رقم يفوق بنحو النصف عدد المستوطنات التي تمت المصادقة عليها خلال عام 2025 بأكمله، والذي كان يُعد عامًا قياسيًا في عدد التوسعات الاستيطانية.
خلف الأبواب المغلقة
عُقدالاجتماع الذي أُقرت فيه هذه المشاريع بسرّية تامة، وشارك فيه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، الذي لم يعترض صراحة على الخطة لكنه حذّر –حسب المصادر– من محدودية الموارد البشرية للجيش، مقترحًا تنفيذ الخطوة على مراحل. وتمّ تصنيف القرار على أنه “سري للغاية”، قبل أن تسمح الرقابة العسكرية بكشف بعض التفاصيل لاحقًا.
هذه المشاريع الجديدة تضاف إلى 68 مستوطنة وافقت عليها الحكومة الحالية منذ عام 2022، فضلاً عن نحو 200 بؤرة استيطانية غير مرخّصة أُقيمت خلال الفترة نفسها. وتشير المعطيات الأولية إلى أن جزءًا من المستوطنات المقترحة يقع في مناطق لم تشهد أي وجود استيطاني سابق، حتى في مواقع نادرًا ما يدخلها الجيش الإسرائيلي نفسه.
استيطان يتسارع وواقع يتغيّر
تزايدت وتيرة التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بشكل حاد منذ بدأ العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2023، وهو ما تعتبره منظمات السلام الإسرائيلية جزءًا من سياسة لفرض واقع جديد على الأرض.
وقال ليئور أميحاي، المدير التنفيذي لحركة “السلام الآن”، إن القرار الأخير “ليس صدفة بل جزء من مهمة معلنة”، موضحًا أن الحكومة “تسعى إلى ضمّ فعلي للأراضي وطرد الفلسطينيين من المنطقة المصنفة (ج)”، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة. وأضاف أن “السلطات لم تعد تخفي نواياها، بل تتعمد تقويض فكرة الدولة الفلسطينية”.
أرقام تصعد وحقوق تتراجع
تشير تقارير “السلام الآن” إلى أن عام 2025 وحده شهد المصادقة على 54 مستوطنة جديدة، بينها 26 بؤرة عشوائية تمّ “تبييضها” قانونيًا بأثر رجعي، وهو أعلى رقم يُسجَّل في تاريخ المشاريع الاستيطانية. كما يُظهر التقرير أنّ عدد البؤر غير القانونية ارتفع إلى 86 بؤرة، بزيادة تقارب 40% عن العام السابق، بمعدل يراوح بين بؤرة وأخرى كل أسبوع تقريبًا.
أما على أرض الواقع، فقد وثّق تقرير للأمم المتحدة صدر في 17 مارس الماضي تهجير أكثر من 36 ألف فلسطيني من الضفة الغربية بين نوفمبر 2024 وأكتوبر 2025، وسط تصاعد اعتداءات المستوطنين. وخلال الفترة نفسها، سُجّل أكثر من 1,732 اعتداءً أسفر عن إصابات وأضرار في الممتلكات، بزيادة قدرها 25% عن العام الماضي.
عنف ميداني يتزامن مع قرارات الحكومة
ترافقت الخطوات الحكومية مع تصعيد واضح في أعمال العنف التي ينفذها المستوطنون. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة اعتداءات متكررة على الفلسطينيين، شملت إحراق عيادة طبية وإطلاق نار على مدنيين وتخريب مدرسة بكتابات عنصرية تدعو إلى قتل العرب.
وبحسب إحصاءات وكالة الأنباء الفرنسية المستندة إلى بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، قُتل ما لا يقل عن 1,050 فلسطينيًا في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023 برصاص القوات الإسرائيلية أو المستوطنين، بينهم ستة منذ مطلع مارس الجاري.
بين السرّ والمكشوف
يرى متابعون أن إعلان المشاريع في هذه اللحظة، بعد فترة من التعتيم المتعمّد، يعكس رغبة في تمرير أكبر قدر ممكن من الخطط الاستيطانية قبل أن تتعرض الحكومة الإسرائيلية لضغوط دبلوماسية متوقعة بسبب الحرب الدائرة في الإقليم. وبينما يُعرض القرار باعتباره “مسألة أمن قومي”، يرى منتقدوه أنّه تسريع لمشروع الضمّ الشامل للضفة الغربية، على حساب فرص السلام وحياة آلاف العائلات الفلسطينية.
مع تصاعد الصراع وازدياد وتيرة مصادرة الأراضي، يظلّ السؤال الإنساني هو الأعمق: إلى أين تقود هذه السياسات مستقبل الفلسطينيين والإسرائيليين معًا؟ فالمشاريع التي تُدار في الخفاء اليوم قد ترسم واقعًا جديدًا غدًا، يصعب على أي جهد سلام أن يعالجه أو يعيده إلى الوراء.
اقرأ المزيد
نتنياهو يؤكد: “لن نسمح بقيام دولة فلسطين” ويواصل التوسع الاستيطاني
بؤرة زوهار يهودا الاستيطانية في الضفة الغربية تكشف زيف المزارع الدينية وتوسّع الاحتلال جنوب القدس












