وطن-مع تصاعد التوتر الإقليمي وتزايد المخاطر التي تهدد أسواق المال في الخليج بسبب الحرب مع إيران، تتحرك أنقرة بخطوات متسارعة لاستقطاب الشركات والمستثمرين الذين يبحثون عن بيئة أكثر استقرارًا لأعمالهم. المسؤولون الأتراك يرون في الظرف الراهن فرصة لإعادة التموضع الاقتصادي، وجعل تركيا محطة بديلة للمؤسسات الكبرى العاملة حاليًا في الإمارات.
فوفق مصادر اقتصادية مطلعة، تستعد الحكومة التركية لتوسيع برامج الحوافز الضريبية والدعم التي تطبقها في مركز إسطنبول المالي، بحيث تشمل شركات متعددة الجنسيات ترغب في نقل أنشطتها أو جزء منها إلى الأراضي التركية. بعض هذه الامتيازات تتضمن إعفاءات ضريبية على أرباح الخدمات المالية المصدّرة، وتخفيضات على ضريبة الدخل للعاملين ذوي الخبرات الدولية.
جذب محفوف بالعقبات
تواجه الخطط الحكومية الطموحة، تحديات لا يُستهان بها. التضخم المرتفع الذي يُتوقع أن يلامس 25% خلال العام، والعجز التجاري المتنامي، يشكلان عبئًا على ثقة المستثمرين. لكن القلق الأعمق يتعلق بسيادة القانون واستقلال القضاء. أحد المصرفيين الدوليين عبّر عن ذلك بقوله: “لا أحد يثق بالمحاكم التركية”.
أثارتالتجارب السابقة في الاستحواذ الحكومي على شركات مالية ناشئة مثل شركة “بابارا” – أول شركة تكنولوجيا مالية تركية تتجاوز قيمتها مليار دولار – تخوفات لدى المستثمرين الأجانب، خصوصًا في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي، حيث يسود الحذر من التدخلات السياسية أو القضائية المفاجئة.
تحرك سياسي–اقتصادي لاستعادة الثقة
في محاولة لتغيير الصورة، استضاف الرئيس رجب طيب أردوغان مطلع الشهر الجاري نحو أربعين رئيسًا تنفيذيًا لشركات عالمية في إسطنبول، ضمن اجتماع نظمه المنتدى الاقتصادي العالمي. الحدث اكتسب أهمية خاصة لأن أردوغان لم يشارك في قمم “دافوس” منذ عام 2009 إثر خلافه العلني مع الرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز.
أوضح رئيس المنتدى المؤقت أن تركيا باتت تمثل عقدة استراتيجية في شبكات التجارة والإنتاج العالمية، مؤكدًا تنامي دورها في الربط بين الأسواق الخليجية والآسيوية والأوروبية.
رأت الخبيرة التركية جيرين كينار، أن هذا اللقاء يعكس بداية “تفاهم جديد” بين أنقرة والمؤسسات المالية الدولية، مشيرة إلى أن تركيا تحاول تأكيد موقعها كوسيط متوازن في النزاعات الإقليمية من سوريا إلى أوكرانيا وصولًا إلى إيران. وهي ترى أن استقرار العلاقات مع الولايات المتحدة وإعادة تعريف التعاون مع أوروبا “يجعلان من الصعب تجاهل تركيا في أي معادلة شرق أوسطية”.
المنافسة مع دبي… وأزمة المقارنة
على الرغم من الإغراءات المالية التي يوفرها مركز إسطنبول المالي، إلا أن المحللين يؤكدون أن المقارنة مع مراكز مثل دبي أو أبوظبي تبقى معقدة.
يرى غونَي يلدِز، المستشار في شؤون الجغرافيا السياسية بمجموعة “أنثيسِس”، أن الإعفاءات الضريبية التركية منافسة جدًا نظريًا، إذ تعفي البنوك في إسطنبول من ضريبة الأرباح حتى عام 2031، وهي ميزة تفوق ما تمنحه دبي من حيث النسبة المعلنة. لكن المشكلة – كما يقول – لا تكمن في نسب الضرائب بل في استقرار الليرة ومخاطر التضخم والتقييم الائتماني المنخفض.
ويضيف أن تحسين الأداء الكلي للاقتصاد التركي هو الشرط الحاسم، إذ “لن تنجح أي منطقة مالية، مهما بلغت حوافزها، ما لم يتحسن الأداء الاقتصادي الكلي بشكل ملموس”.
القوانين المزدوجة… عقدة قديمة
بعض المقترحات بإنشاء مناطق اقتصادية خاصة ذات أنظمة قانونية مستقلة – شبيهة بنموذج مركز دبي المالي العالمي – تثير حساسية في أنقرة. فالتاريخ العثماني مع الامتيازات الأجنبية يجعل فكرة إنشاء قضاء موازٍ داخل البلاد مثار جدل. الاقتصادي غوفَن ساك من مركز “تفاف” للدراسات في أنقرة أشار إلى أن الحكومة تستطيع إيجاد حلول قانونية داخل الإطار القائم دون الحاجة لنظام موازٍ، لكنه لمح إلى إمكانية اختبار مثل هذه النماذج في شمال قبرص، حيث يسود النظام القانوني المستند إلى القانون الإنجليزي.
الصناعة… الورقة التي تراهن عليها أنقرة
على الرغم من العقبات، يحتفظ الاقتصاد التركي بورقة قوة مهمة هي قطاع التصنيع، الذي لا يزال من الأكثر تنوعًا في المنطقة. خبراء يشيرون إلى أن تركيا قادرة على جذب شركات صينية كبرى تستثمر في منطقة جبل علي الحرة بالإمارات، خاصة في مجالات السيارات واللوجستيات والتقنيات المتقدمة.
فهذه المنطقة وحدها تستضيف أكثر من خمسمئة شركة صينية، بينها إحدى عشرة شركة مدرجة ضمن قائمة “فورتشن 500″، ما يفتح الباب أمام استقطاب استثمارات جديدة إذا ما قدمت أنقرة الحوافز المناسبة.
بين الطموح والواقع
على الرغم مما تبذله تركيا من جهود، يرى بعض المحللين أن السبيل لجذب رؤوس الأموال الخليجية لا يقتصر على الإعفاءات الضريبية، بل على بناء الثقة السياسية والمؤسسية. فكما يقول أحد المستشارين الأوروبيين في مجال الاستثمار: “لن يغادر المال الخليجي دبي أو أبوظبي إلا إذا وجد في أنقرة بيئة مستقرة وواضحة المعالم”.
ويضيف أن تحسين صورة المؤسسات السياسية، وإصلاح العلاقة بين الحكومة والإدارات المحلية، سيكونان العامل الحقيقي في إقناع المستثمرين بأن الفرص في تركيا ليست مؤقتة ولا مرتبطة بأجندة شخصية.
في نهاية المشهد، تدرك أنقرة أن المعركة ليست فقط على الضرائب أو البنى التحتية، بل على المصداقية والثقة. فالمستثمرون يبحثون عن بيئة مستقرة ومؤسسات عادلة قبل أي حافز مالي. والخيارات التي تتخذها تركيا اليوم ستحدد ما إذا كانت ستنجح في التحول إلى مركز مالي إقليمي منافس… أم تبقى مجرد محطة طموحة يعيقها القلق من الداخل قبل الخارج.
اقرأ المزيد
استهداف “الحصون المالية”: كيف أثرت الهجمات المسيرة على استقرار مركز دبي المالي العالمي؟
دبي وأبوظبي بين وهم الأمان وواقع الحرب: الأثرياء يفرون والرياض تصبح بوابة النجاة
“وداعاً لمضيق هرمز”: تركيا تطلق أخطر ممر بري عبر سوريا والأردن لتأمين تجارة الخليج..
ما بعد القصف الإيراني لدبي.. هل انتهى زمن ‘الأمان التجاري’ في الشرق الأوسط؟












