وطن-بعد أسابيع من الغارات التي هزّت أحياء طهران ومدنًا أخرى، عاد الهدوء أخيرًا إلى سماء إيران. توقّف القصف الأمريكي–الإسرائيلي منح الناس فسحة تنفّس قصيرة، لكن الصمت الذي خيّم بعد الانفجارات ترك خلفه إحساسًا عميقًا بالخذلان والارتباك. كثيرون ممن ظنّوا أن سقوط الصواريخ قد يكون بداية نهاية النظام القائم، وجدوا أنفسهم أمام مشهد من الخراب الكامل دون أي بارقة تغيير سياسي.
خيبة أمل في زمن الدمار
تتحدث ليلى، شابة في الخامسة والعشرين من عمرها، بمرارة عن الأيام الأولى للحرب. كانت، كما تقول، تظن أن القصف سيدفع نحو تغيير جذري في بلدها. “كنت أعتقد أن النهاية قريبة، وأن القوى الغربية تمهّد لمرحلة جديدة بقيادة رضا بهلوي”، تقول وهي تتأمل علمًا إيرانيًا مغطى بالرماد في ركام جامعة “شريف” التقنية بطهران. لكن كل تلك الآمال تبخرت مع اتساع دائرة الدمار، لتدرك أن ما بدأ على أنه وعد بالخلاص انتهى إلى حرب على الوطن نفسه.
في بدايات المواجهة، رأى بعض معارضي السلطة في شخصيات مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو شركاء محتملين في التغيير. إلا أن الأسابيع اللاحقة بدّدت تلك الصورة سريعًا، حينما امتدت الضربات إلى الجسور والسكك الحديدية وخزانات النفط والمستشفيات. “كيف يمكن أن يُغيّر القصف نظامًا سياسيًا وهو يدمّر حياة الناس؟” تتابع ليلى بأسى.
وعود تتبخر ومخاوف تتراكم
في يناير، وبينما كانت الاحتجاجات الداخلية في ذروتها، نشر ترامب على وسائل التواصل رسالة تعهّد فيها بأن “المساعدة في الطريق”. لكن بعد شهرين فقط، وتحت وطأة تصاعد المواجهات، كتب: “حضارة بأكملها ستنقرض الليلة”. كلمات قلبت المزاج العام لدى كثير من الإيرانيين الذين كانوا ينتظرون دعماً للخلاص لا تهديدًا بالفناء.
علي، البالغ 29 عامًا، فقد منزله في إحدى تلك الغارات. يقول: “ظننا أن الحرب ستكون قصيرة وحاسمة، وأن التكنولوجيا الغربية ستتفادى المدنيين. لكننا فهمنا متأخرين أننا نحن الهدف الحقيقي”.
ويضيف: “حين فشلوا في تغيير النظام، ضربوا كل شيء أمامهم. ربما كنت ساذجًا… لكنني لم أتوقع أن أدفع هذا الثمن”.
أصوات لم تصدق منذ البداية
على الجانب الآخر، رفضت مريم، وهي سيدة في السابعة والأربعين، منذ اللحظة الأولى فكرة أن الحرب يمكن أن تحمل أي خلاص. “من يتخيّل أن حربًا يُطلقها ترامب ونتنياهو ستمنحنا الحرية؟ ألم نر ما حدث في غزة ولبنان وسوريا؟”، تتساءل. وتشير إلى أن الدمار لم يقتصر على المنشآت العسكرية، بل طال الجامعات والمستشفيات والمدارس ومئات المصانع الصغيرة التي كانت مصدر رزق آلاف العائلات.
وعلى الرغم من توقف الانفجارات، ترى مريم أن ما ينتظر بلادها لا يقل صعوبة عن الحرب نفسها: “ربما علينا أن نشكر الله أن القصف توقّف، لكن كيف سنعيد بناء وطن محاصر بالرماد؟”.
سقوط رموز وآمال
يرى عباس، وهو موظف خمسيني، أن الحرب أنهت فعليًا أي دور سياسي لرضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، بعد أن فشل في إدانة الهجمات التي دمّرت البنية التحتية في بلده. “لقد راهن على الغرب بلا حساب، والنتيجة أنه خسر كل شيء، حتى احترام الناس الذين صدّقوه يوماً”، يقول عباس بحدة.
هدنة مشوبة بالقلق
لا تزال نيلوفر، 34 عامًا، تجد صعوبة في تصديق أن القصف توقف بالفعل. طوال أربعين يومًا، كانت تعيش على أصوات الطائرات والانفجارات. “عندما أعلنت الهدنة شعرت وكأن حملاً انزاح عن صدري، ونمت لأول مرة بهدوء. لكن الخوف لم ينتهِ بعد”، تقول وهي تردد أن الانفجارات المتفرقة ما زالت تُسمَع في بعض الأحياء.
الكثيرون، مثلها، لا يثقون بأن الهدوء الحالي دائم. مهدي، 31 عامًا، يعبّر عن خوفٍ أعمق: “لا أثق بالولايات المتحدة ولا بإسرائيل. في الواقع، لا أثق بأي جهة في هذه الحرب. إنهم يفاوضون اليوم، وغدًا قد يقصفون مجددًا”.
وعي متأخر وثمن باهظ
تراجع الحلم الجماعي بالتغيير السريع أمام مشاهد الدم والركام. يقول علي بصوت متهدّج: “كنا نظن أن الحرب ستحل كل شيء. الآن نعلم أنها قادرة فقط على تدمير كل شيء”. ويتابع بعد لحظة صمت: “تعلمنا أيضًا أن السياسي الذي يساوم على حياة شعبه، مهما كان شعاره، لا يمكن أن يحمل مشروع خلاص”.
في المدن الإيرانية التي ما زالت تلملم شظاياها، يسود إحساس واحد: أن ما احترق في هذه الحرب لم يكن المباني وحدها، بل الأمل نفسه. ومع ذلك، يبقى سؤال إعادة البناء – في الأرض والضمائر – مفتوحًا على مجهول طويل، لا تجيب عنه هدنة لم تُطفئ بعد حرائق النفوس.
اقرأ المزيد
الغارديان: مستشفى إيراني يوثّق مئات الإصابات بالرصاص في العيون خلال القمع العنيف للاحتجاجات
بين نيران القصف والإعدامات السرية.. صرخة عائلات المعتقلين السياسيين في إيران












