وطن-في لحظة أحالت الصمت إلى فاجعة جديدة، ودّعت غزة أحد أبرز وجوهها الإعلامية، الصحافي الفلسطيني محمد سمير وشاح، مراسل قناة الجزيرة مباشر، الذي قُتل في هجوم إسرائيلي مزدوج استهدف سيارته بينما كان يؤدي عمله الإخباري في مدينة غزة. مقتل وشاح، البالغ من العمر أربعين عامًا، رفع عدد الصحافيين الفلسطينيين الذين قتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي إلى سبعة، وسط تحذيرات من استمرار استهداف الصحافة في القطاع.
مأساة تتكرّر رغم الهدنة
وفقًا لشهود عيان وزملاء الضحية، كان وشاح متجهًا لتغطية قصة إنسانية جنوب المدينة عندما أصابت طائرة مُسيّرة إسرائيلية مركبته مرتين متتاليتين. الضربة الأولى أشعلت النار في السيارة، بينما استهدفت الضربة الثانية المكان بعد وصول فرق الدفاع المدني والإسعاف، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى جدد بين المسعفين والمواطنين الذين تجمعوا قرب الموقع.
أكد أحد المسعفين الذين وصلوا إلى المكان بعد دقائق من الهجوم في مقطع مصوّر أن “الجثث كانت متفحمة تمامًا، والإصابات في الهجوم الثاني تراوحت بين عشرة وعشرين شخصًا”.
مراسل ميداني لم ينقطع عن عمله
كان محمد وشاح، ابن مخيم البريج للاجئين وسط القطاع، معروفًا في الأوساط الصحافية منذ التحاقه بـ«الجزيرة مباشر» عام 2014. زملاؤه يروون أنه كان يغطي الأحداث بسيارته الخاصة متنقلًا بين المناطق رغم مخاطر الحرب والانقسام الجغرافي داخل القطاع.
الزميل طلال محمود، أحد مراسلي القناة، أوضح أن وشاح “أصرّ على أداء واجبه الإنساني والإعلامي رغم التحريض الذي طال شخصه على مدى العامين الماضيين”.
حملة تحريض واتهامات بلا دليل
الحديث عن التحريض الإسرائيلي على وشاح ليس جديدًا. فمع تصاعد الحرب على غزة، نشرت حسابات ناطقة باسم الجيش الإسرائيلي صورًا للصحافي بالزي العسكري، متهمة إياه بالانتماء إلى فصائل فلسطينية مسلّحة.
زملاؤه أوضحوا أن تلك الصور كانت من مشاهد تصوير فيلم وثائقي، وأن وشاح واجه تلك الادعاءات علنًا متحديًا أي جهة أن تثبت صلتَه بأي تشكيل عسكري. ورغم غياب أي دليل ملموس، كرّرت جهات إعلامية إسرائيلية هذه الادعاءات حتى بعد مقتله، إذ كتب المتحدث العسكري الإسرائيلي أفيخاي أدرعي تعليقًا بعد الضربة قال فيه إن وشاح “لم يكن صحافيًا بل مقاتلًا”، في تبرير رفضه زملاؤه ومنظمات دولية معنية بحرية الصحافة معتبرين إياه ترويجًا للقتل خارج القانون.
الصحافيون هدف مباشر
أدانت منظمات الدفاع عن الصحافيين حول العالم الهجوم على وشاح واعتبرته مثالًا صارخًا على نمط استهداف الصحافة داخل غزة.
المديرة التنفيذية للجنة حماية الصحافيين، جودي غينسبرغ، قالت إن الحادث “يدل على عملية اغتيال موجّهة لصحافي أثناء عمله”، مشيرة إلى أن “إسرائيل أصبحت الجهة الأولى عالميًا في عدد الصحافيين الذين قتلتهم منذ بدء التوثيق في تسعينيات القرن الماضي”.
وأضافت أن هذا النمط يعكس “محاولة متكررة لفرض رواية أحادية حول ما يحدث داخل غزة، في وقت يواصل الصحافيون هناك عملهم وسط ظروف هي الأخطر في العالم”.
بين رسالتهم الإنسانية وثمن الشهادة
زملاء وشاح يرون أن استهدافه ليس حدثًا معزولًا، بل استمرار لنهج يتعمّد إسكات شهود الميدان. الصحافي الغزّي مؤمن فايز، الذي أصيب مرتين في هجمات سابقة وفقد ساقيه عام 2008، قال إن “قتل محمد رسالة تحذير لكل صحافي في غزة. بعد كل حادثة مشابهة، نشعر أن الموت يقترب منا أكثر، وأن أسماءنا قد تكون التالية على القائمة”.
وأضاف أن وشاح كان معروفًا بدقته في النقل وبتركيزه على القصص الإنسانية، وغالبًا ما كان يتابع الحالات التي يوثقها سعيًا لتقديم الدعم الممكن لها.
خطر يتربّص بالكلمة الحرة
منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، قُتل ما لا يقل عن 723 فلسطينيًا وجُرح نحو ألفي شخص في هجمات إسرائيلية متواصلة داخل القطاع، رغم الهدنة المعلنة. أما منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، فقد تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 72 ألفًا والجرحى 170 ألفًا.
وسط هذا المشهد الدموي، يواصل الصحافيون الفلسطينيون عملهم رغم قلة الموارد والتهديدات اليومية. أحدهم كتب على صفحته عقب مقتل وشاح: “كلما سقط زميل لنا، لا نعتبر الخبر مجرد رقم جديد، بل رسالة شخصية. كأن الموت يطرق بابنا واحدًا تلو الآخر”.
اقرأ المزيد
الموت الصامت في غزة: كيف تقتل القيود الإسرائيلية المرضى بعيداً عن القصف؟
جسد نحيل وندوب حارقة.. رضيع من غزة يخرج من الاحتجاز الإسرائيلي بآثار تعذيب












