وطن-في أعماق العلاقات الإنسانية المليئة بالتعقيد، يبرز شكل خفي من الدفاع النفسي يُعرف بـ«الخداع الذاتي»؛ آلية يستخدمها العقل لحماية صاحبه من الانهيار حين يجد نفسه وسط بيئة سامة أو علاقة مؤذية. فبدلاً من مواجهة الألم مباشرة، يُعيد الدماغ ترتيب الواقع ليجعله أقل إيلامًا وأكثر تماسكًا مع الصورة التي يرغب فيها الإنسان عن “الحب” أو “الاستقرار”.
عندما تعيش المرأة علاقة تقوم على السيطرة أو الإهمال أو الإيذاء، يبدأ ذهنها في تشغيل ما يُعرف بالتنافر المعرفي؛ وهو التبرير اللاواعي للسلوك المؤذي، بحيث يبدو منطقياً ضمن إطار “العاطفة” أو “الحرص”. هذه العملية لا تعبّر عن ضعفٍ أو غباء، بل عن محاولة عصبية يائسة للهروب من ألم الهزيمة العاطفية أو الخوف من الوحدة.
غير أن استمرار هذا الخداع الداخلي يحول دون التعافي، ويجعل صاحبة العلاقة أسيرة خيوط غير مرئية من الإنكار والتبرير. ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الأكاذيب الصغيرة تتحول بمرور الوقت إلى منظومة فكرية متكاملة، يصعب معها تمييز الحب عن الخضوع.
أكاذيب تُزيّن الألم
أولى تلك الروايات تبدأ بما يسمى «وهم المنقذة»؛ حين تتشبث المرأة بإيمان عاطفي بأن الحب قادر على تغيير شريكها، وأن الصبر سيحوّله يوماً إلى نسخة أفضل. غير أن التحوّل الحقيقي لا ينبع من مشاعر الآخر تجاهكِ، بل من وعيه الداخلي وحافزه الشخصي. انتظار التغيير من الخارج يجعل الشريكة تتحمل مسؤولية لا تخصها، ويقودها إلى خيبة متكررة مع كل دورة جديدة من الإهمال أو العنف.
ثم تأتي الحكاية الثانية، حين يُبرَّر السلوك القاسي على أنه نتيجة «لماضٍ صعب» أو «طفولة مؤلمة». صحيح أن الجروح القديمة تفسر بعض السلوكيات، لكنها لا تبرر الأذى. الانشغال الدائم بألم المعتدي يُغفل معاناة الطرف الآخر ويمنعه من وضع حدود صحية، وكأن التراحم يصبح سببًا للتنازل عن الكرامة.
أما ثالث الخدع فهي تعميم الألم: “كل الرجال متشابهون، وكل العلاقات صعبة”. هذا التعميم يُفرغ التجربة من خصوصيتها، ويجعل الضحية تتقبّل الإهانة بوصفها جزءًا طبيعيًا من الحب. بينما الحقيقة أن الخلافات الطبيعية لا تُشبه أبدًا التحكم أو الإذلال أو ما يُعرف بالتلاعب النفسي (“لعب الأذهان”).
حين يُسمّى القيد حبًّا
تختلط في بعض العلاقات الغيرة والهيمنة بأوهام “الاهتمام”. عبارات مثل “يفتش هاتفي لأنه يغار عليّ” أو “لا يريدني أن أخرج وحدي حرصًا عليّ” تُعيد تعريف السيطرة على أنها حماية. والحقيقة أن الحب السليم يقوم على الثقة والحرية، بينما يقوم الحب السام على الرقابة والانعزال. إنه نظام تحكم مقنّع بالحنان يهدف في النهاية إلى عزل الضحية عن محيطها الداعم.
يتغذى الوهم الخامس على nostalgia للحظات البداية — ما يسمى “مرحلة شهر العسل” في دورة العنف. تتعلق الضحية بصورة الشريك المثالي الأولى، وتنتظر عودتها كأنها استراحة مؤقتة من واقع مؤلم. غير أن تلك اللحظات لم تكن سوى استراتيجية جذب، ويصبح التعلق بها سلسلة تمنع النظر بوضوح إلى الحاضر.
مبررات ثقيلة… ومؤذية
كثير من النساء يبقين في علاقات مؤذية تحت شعار “الأطفال بحاجة إلى أسرة موحّدة”. إلا أن الأبحاث النفسية تُشير بوضوح إلى أن ما يحتاجه الطفل حقًا هو بيئة آمنة خالية من الخوف، لا منزل يجتمع فيه الخلاف والصمت والعنف. حين تبقى الأم بدافع التضحيات، فهي تُورّث أبناءها تصورًا مختلًا عن الحب، يجعلهم في المستقبل يعيدون المشهد ذاته من الخضوع أو العدوان.
ومن أكثر الأكاذيب قسوة ما يرسّخه المعتدي في عقل شريكته: “أنتِ السبب”. هذا الشكل من التلاعب النفسي، المعروف بـ«غسل الوعي» أو gaslighting، يجعل الضحية تحمل ذنبًا لا تملكه. تبدأ بتصحيح سلوكها دون توقف لتتجنب “غضبه”، معتقدة أن تصرفاتها هي التي تحدد مزاجه، بينما الحقيقة أن العنف قرار يتخذه هو، ولا علاقة له بما فعلت أو لم تفعل.
طريق الحرية يبدأ من الصدق
التحرر من هذه الأكاذيب ليس خطوة سهلة، لكنه بداية ضرورية نحو استعادة السيادة على الذات. فالنظر بعيون صادقة إلى الواقع هو الشفاء الأول من الوهم. الحب لا يؤذي، والاهتمام لا يُهين، والسكوت بدافع الخوف ليس تماسكًا بل انكسار.
إن تسمية الأشياء بأسمائها هي النقطة التي تبدأ منها الرحلة نحو حياة يُصبح فيها السلام الداخلي حقًّا غير قابل للمساومة.
اقرأ المزيد
الهرمونات ومستقبل صحتك.. دليلك لفهم الغدد المتحكمة في نشاطك اليومي












