وطن-في ليلة متوترة من مارس 2026، نام الإسرائيليون وهم يسمعون تهديدات أمريكية بمحو “الحضارة الإيرانية”، ثم استيقظوا على نبأ مفاجئ: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن وقفًا لإطلاق النار مع طهران. هذا التحوّل السريع في المشهد أعاد رسم خريطة الصراع في المنطقة، وجعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام تحدٍ وجودي سياسيًا وشخصيًا.
يقوم الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين واشنطن وطهران، حسب ما نشرته وسائل الإعلام الإيرانية، على عشر نقاط أساسية، من بينها وقف العمليات العسكرية كليًا، السماح لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم، حماية الحلفاء الإقليميين لطهران، وتعويضها عن الأضرار الناتجة عن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، إضافة إلى فرض رسوم على السفن المارة في مضيق هرمز.
إن تحوّل هذه البنود إلى اتفاق دائم قد يعني فعليًا نهاية المسيرة السياسية لنتنياهو، الذي بنى صورته طوال ثلاثة عقود على اعتبار إيران “الخطر الأول” على إسرائيل والعالم الغربي.
من طموح السيطرة إلى فقدان النفوذ
بدأت الحرب أواخر فبراير الماضي بهدف معلن: إسقاط النظام الإيراني. ومع تطور العمليات واتساع نطاقها، بدا أن تحقيق هذا الهدف بعيد المنال. فإيران تمكّنت من امتصاص الضربات العسكرية وحافظت على مؤسساتها، بل وبدأت بإدارة المفاوضات مع واشنطن من موقع قوة، محتفظة بقدراتها الصاروخية وبإمكانية استئناف برنامجها النووي.
تُظهر التطورات المتسارعة أن إيران، لا إسرائيل، هي الطرف الذي خرج أكثر متانةً من هذا الصراع. سيطرتها المتنامية على مضيق هرمز – أحد أهم الممرات الاقتصادية في العالم – منحتها موقعًا استراتيجيًا جعلها أقرب إلى أن تكون القوة الإقليمية الأبرز في الشرق الأوسط. هذه النتيجة تمثل نكسة كبرى لنتنياهو الذي سعى، قبل الحرب، لترسيخ دور إسرائيل كذراع أمريكية لإدارة شؤون الشرق الأوسط.
الارتدادات الخليجية واتفاقات إبراهيم في خطر
انعكست تداعيات الحرب أيضًا على دول الخليج التي راهنت على استقرار علاقاتها الجديدة مع إسرائيل من دون الدخول في معضلة القضية الفلسطينية. لكن تلك الدول وجدت نفسها أمام واقع جديد: إيران تمتلك زمام السيطرة على الملاحة في الخليج، ما قد يجعل تصدير النفط والغاز خاضعًا لموافقتها مستقبلاً.
ضعف الاستجابة الخليجية أمام الضربات الإيرانية أظهر حدود الحماية الأمريكية والإسرائيلية، وطرح تساؤلات حول جدوى التحالفات العسكرية السابقة. ومع تصاعد نفوذ طهران، يبدو أن المنطقة تخطو تدريجيًا نحو تقليص الاعتماد على واشنطن، في تحول استراتيجي غير مسبوق منذ عقود.
لبنان و«محور المقاومة».. عودة الخطر من الشمال
لم يكن المشهد اللبناني أقل تعقيدًا. فبعد أن أعلن نتنياهو في نهاية 2024 “النصر الكامل” على حزب الله، عاد الحزب ليفاجئ الجيش الإسرائيلي بهجمات مكثفة عقب مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي يُعد رمزًا دينيًا للحزب. خلال أسابيع قليلة، أمطرت إسرائيل بمئات الصواريخ يوميًا من الجنوب اللبناني، ما شلّ الحياة في شمال البلاد.
وترافقت هذه التطورات مع تسريبات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أظهرت مدى سوء تقديرها لقدرات حزب الله. واليوم، تطالب إيران بأن يشمل وقف إطلاق النار الأراضي اللبنانية أيضًا، وهو ما يعني عمليًا منح “محور المقاومة” – الذي يضم حزب الله والحوثيين وفصائل عراقية – اعترافًا دوليًا لأول مرة، وهو كابوس سياسي لنتنياهو الذي لطالما قدّمه للعالم كـ “محور الشر”.
نتنياهو في مواجهة نهايته السياسية
فشل نتنياهو في تحقيق وعوده بإضعاف إيران أو القضاء على حزب الله جعل الموقف الداخلي في إسرائيل أكثر هشاشة. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت تراجع دعم اليمين له، إذ لم يعد ائتلافه قادرًا على تأمين الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة جديدة.
تكمن المفارقة في أن الحملة العسكرية التي أرادها “تتويجًا لإرثه الأمني” تحوّلت إلى تهديد مباشر لهذا الإرث ذاته. فإسرائيل تواجه اليوم واقعًا إقليميًا يجعلها أقل حرية في توجيه ضربات داخل المنطقة، بينما يبدو خصومها أكثر ثقة.
الكاتب الإسرائيلي الذي شبّه علاقة نتنياهو بإيران بـ”علاقة القبطان آهاب بالحوت الأبيض” في رواية موبي ديك لم يبتعد كثيرًا عن الحقيقة؛ فالهوس بمطاردة “العدو الإيراني” هو ما قد ينهي حياة نتنياهو السياسية.
إرث يتآكل ومحاولات أخيرة للنجاة
على الرغم من إعلان وقف النار، يواصل الجيش الإسرائيلي قصف مواقع في لبنان، في خرق واضح للاتفاق وفق ما أعلنت طهران. وقد لوّحت إيران بإغلاق مضيق هرمز إن استمر التصعيد، ما يجعل الهدنة هشة للغاية.
وفي محاولة لتخفيف الضغوط، لمّح نتنياهو إلى إمكانية التفاوض المباشر مع الحكومة اللبنانية “بهدف السلام”، خطوة فُسّرت بأنها نتيجة ضغوط أمريكية متزايدة. إلا أن مراقبين يرون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى، بأي ثمن، إلى تعطيل الاتفاق الأمريكي–الإيراني وإشعال جبهة جديدة قد تعيد واشنطن إلى الميدان وتمنحه فرصة لتثبيت صورته كزعيم “لا يُهزم”.
لكن الوقت لا يعمل لصالحه، والخيارات تضيق. ومع تغير موازين القوى في المنطقة، يبدو أن إرث نتنياهو الذي تأسس على القوة والردع العسكري، يواجه اليوم أخطر اختبار في تاريخه السياسي.
تُظهر الأزمة الراهنة أن منطق القوة وحده لم يعد كافيًا لصنع الأمن في الشرق الأوسط، وأن سياسات العداء المستمر تفتح الأبواب أمام مزيد من التوتر والعزلة. المشهد الإقليمي يتغير بسرعة، ومن لا يدرك تحوّلاته الواقعية قد يجد نفسه، كما حدث مع نتنياهو، يقف على حافة نهايته السياسية.
اقرأ المزيد
كواليس الاتفاق السري الذي أربك حسابات نتنياهو وأنهى أسطورة النصر












