وطن-في خطوة تعكس ضغوطًا إقليمية ودولية متزايدة، أدان رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان الضربات الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية النفطية في مدينة الجبيل السعودية، وذلك وسط تزايد الانقسام داخل التحالف العسكري الحاكم في السودان. وبحسب ما نقلته وكالة رويترز، تأتي هذه الإدانة بينما تحاول الحكومة المدعومة من الجيش في بورتسودان إعادة تموضعها وسط صراعات إقليمية متشابكة بين طهران والغرب ودول الخليج.
تصاعد الضغوط الإقليمية على الخرطوم
قالت رويترز إن بيان الحكومة السودانية صدر بالتزامن مع إعلان وقف مؤقت للعمليات العسكرية ضد إيران، مؤكدًا رفض الخرطوم للهجمات الإيرانية على منشآت سعودية في مدينة الجبيل الصناعية. وأوضحت الوكالة أن هذا الموقف يأتي امتدادًا لبيانات مشابهة أصدرتها الحكومة خلال الأسابيع الستة الماضية منذ اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد طهران.
وأضافت رويترز أن البرهان، الذي يقود القوات المسلحة السودانية (SAF)، يسعى من خلال هذه الخطوة إلى التماهي مجددًا مع مواقف مصر والسعودية، خاصة بعد أن أظهرت بعض مكونات التحالف العسكري في الخرطوم دعمًا علنيًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
انقسامات داخل التحالف العسكري في السودان
ذكرت رويترز أن الحرب على إيران عمّقت الانقسامات داخل التحالف الموالي للبرهان، والذي يضم جماعات جهادية معلنة إلى جانب ناشطين علمانيين شاركوا في ثورة 2019 التي أنهت حكم عمر البشير. وتشير الوكالة إلى أن هذه الخلافات تتركز حول ثلاثة ملفات أساسية: العلاقة مع إيران، والخلاف الخليجي بين الإمارات والسعودية، والتصنيف الأمريكي لجماعة الإخوان المسلمين السودانية كمنظمة إرهابية.
وتشير رويترز إلى أن القوات المسلحة السودانية تلقت دعمًا بطائرات مسيّرة من إيران في الحرب ضد قوات الدعم السريع (RSF)، إلا أن الخارجية السودانية استمرت في التنديد بأي هجمات إيرانية تمس دول الخليج الأخرى، مثل قطر والبحرين وعمان والأردن وأذربيجان.
البرهان يواجه حلفاءه الإسلاميين
بحسب ما نقلته رويترز، واجه البرهان تحديًا داخليًا بعد أن أعلن القيادي الجهادي البارز في حزب المؤتمر الشعبي، الناجي عبد الله، دعمه العلني لإيران، متوعدًا بإرسال مقاتلين سودانيين إلى طهران إذا تصاعد العدوان الأمريكي–الإسرائيلي هناك. وأضافت الوكالة أن البرهان سارع إلى التحذير من “محاولات لخطف صوت الدولة”، مؤكداً أنه لن يسمح لأي فصيل داخل الجيش أو خارجه باتخاذ مواقف مناقضة لسياسة الحكومة الرسمية، قبل أن يتم اعتقال عبد الله في منتصف مارس/آذار.
وأشارت رويترز إلى أن فصائل إسلامية أخرى، من بينها حزب المؤتمر الوطني والجماعة الجهادية “كتيبة البراء بن مالك”، التزمت بموقف البرهان الداعي إلى ضبط الخطاب السياسي وعدم إشعال مزيد من التوترات خلال الحرب الدائرة.
تصنيف الإخوان السودانيين كمنظمة إرهابية
أوردت رويترز أن وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت في التاسع من مارس/آذار إدراج جماعة الإخوان المسلمين السودانية ضمن قوائم الإرهاب، مشيرة إلى تلقيها تدريبًا ودعمًا من “الحرس الثوري الإيراني”. وشمل التصنيف أيضًا كتيبة البراء بن مالك بوصفها الجناح المسلح للجماعة.
ونقلت الوكالة عن الناطق باسم الكتيبة، عمار عبد الوهاب، قوله إن القرار الأمريكي “مجرد حبر على ورق” وإنه يهدف، على حد تعبيره، إلى “دعم قوات الدعم السريع وإضعاف الجيش”. وأكد عبد الوهاب، وفق رويترز، أن الكتيبة لا تمتلك حسابات خارجية أو علاقات مالية يمكن أن تتأثر بالعقوبات، معتبرًا أن الهدف هو “شيطنة الإسلاميين وإضعاف جبهة القتال ضد الدعم السريع”.
نفي البرهان لأي ارتباط سياسي
أشارت رويترز إلى أن قناة “سكاي نيوز عربية” بثت تسجيلًا مسرّبًا زعمت فيه أن البرهان على صلة بقيادات من الحزبين الإسلاميَّين السابقين، المؤتمر الوطني والإخوان المسلمين السودانيين، وهو ما نفاه بشدة. ونقلت الوكالة عن المحلل الأمريكي كاميرون هدسون، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، قوله إن البرهان يدرك أن أي علاقة مع حركات الإسلام السياسي ستضر بموقفه الدولي، رغم أن بعض هذه الجماعات توفر له دعمًا عسكريًا حاسمًا في المدى القصير.
وأضاف هدسون في تصريحات لـ رويترز أن البرهان “سيُجبر عاجلًا أم آجلًا على الاختيار بين التماهي مع التيارات الإسلامية أو الحفاظ على علاقاته الإقليمية والدولية”.
موقف القوى المدنية من التطورات
بحسب ما نقلته رويترز، رحبت مجموعة “صمود” التي يقودها رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، والمتمركزة في الإمارات، بقرار واشنطن تصنيف الإخوان السودانيين جماعة إرهابية، معتبرة أنه “خطوة ضرورية لتحقيق السلام”. وقال المتحدث باسم المجموعة جعفر حسن للوكالة إن الجماعة مسؤولة عن “جرائم وعمليات إرهابية داخل السودان وخارجه”، داعيًا المجتمع الدولي إلى إنهاء دعمها السياسي والعسكري.
كما أشارت رويترز إلى أن مجموعة “صمود” تخطط لإعادة تفعيل لجنة تفكيك نظام البشير، التي كانت قد حُلّت عقب انقلاب 2021، لكن مسؤولًا في حكومة بورتسودان العسكرية قال للوكالة إن هذه اللجنة “لا تملك أي غطاء قانوني” وإن هدفها “زعزعة استقرار الجيش واستغلال القرارات الأمريكية الأخيرة لإحداث اضطراب سياسي”.
موازين القوى في الميدان
ذكرت رويترز أن الجيش السوداني يسيطر حاليًا على العاصمة الخرطوم وأجزاء واسعة من وسط وشمال وشرق البلاد، في حين يتركز نفوذ قوات الدعم السريع في إقليم دارفور وبعض مناطق كردفان. وأضافت الوكالة أن تقارير استخبارية أشارت إلى أن الدعم الإماراتي للدعم السريع ما زال مستمرًا رغم انشغال أبوظبي بالحرب في إيران، بينما ازدادت ضغوط القاهرة والرياض على قيادة الجيش السوداني لتقليص نفوذ الإسلاميين داخله.
ونقلت رويترز عن هدسون قوله إن “كلا الجانبين يعتمد بشكل شبه كامل على الدعم الخارجي”، مضيفًا أن “مستقبل نفوذ التيارات الإسلامية في السودان سيكون العامل الحاسم في استمرار أو تراجع هذا الدعم”.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، ترى رويترز أن السودان يقف على مفترق طرق حساس، تتشابك فيه الملفات الأمنية والسياسية والإيديولوجية الإقليمية، فيما تزداد المخاوف من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى انزلاق البلاد نحو مزيد من الفوضى وسط صراعاتٍ إقليمية لم تهدأ بعد.
اقرأ المزيد
رسالة محمد بن سلمان إلى طحنون بن زايد تكشف توترًا سعوديًا إماراتيًا حول السودان واليمن
تقرير يكشف تحويل الإمارات لإثيوبيا إلى منصة عسكرية لإدارة الصراع في السودان












