وطن-في مشهد سياسي غير متوقع رغم التوقعات المسبقة، خسر رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان الانتخابات بعد 16 عامًا من الحكم، فاتحًا الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ البلاد وأوروبا بأسرها. وبحسب ما نقلته وكالة رويترز، فإن الهزيمة لا تمثل مجرد تغيير حكومي، بل قد تعيد رسم خريطة العلاقات الإقليمية، خصوصًا مع الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، وتؤثر في حسابات حلفائه في موسكو وواشنطن.
نهاية حقبة أوربان وبداية مرحلة المجر الجديدة
قالت وكالة رويترز إن الإطاحة برئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان، الذي كان يُنظر إليه منذ سنوات كرمز للشعبوية الأوروبية وحليفًا مقربًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شكّلت صدمة رمزية لمعسكر اليمين الشعبوي على جانبي الأطلسي. وأشارت الوكالة إلى أن نائب الرئيس الأميركي جيه. دي. فانس زار بودابست قبل الانتخابات لحشد الدعم لأوربان، إلا أن محاولاته باءت بالفشل.
وأضافت رويترز أن خصمه بيتر ماغيار تمكن من حشد أغلبية كبيرة لصالحه في انتخابات 12 أبريل، منهياً بذلك مرحلة امتدت 16 عامًا اتسمت بسياسات داخلية مثيرة للجدل ودبلوماسية خارجية متقلبة. وقد اعتبر كثير من المراقبين أن “الأوربانية” — بما حملته من نموذج “ديمقراطية غير ليبرالية” — كانت تجربة سياسية هدفت إلى تكريس الحكم الفردي، وتقييد وسائل الإعلام والقضاء، وتجذير المحسوبية داخل مؤسسات الدولة.
تدهور اقتصادي وضغوط معيشية
بحسب ما أوردته رويترز، فإن هزيمة أوربان جاءت نتيجة تراجع الثقة الشعبية في ظل أوضاع اقتصادية صعبة. إذ سجل الاقتصاد الهنغاري نموًا لم يتجاوز 0.4٪ خلال عام 2025، مقارنةً بنمو بلغ 3.6٪ في بولندا المجاورة، وفق أرقام المفوضية الأوروبية. وأضافت الوكالة أن ارتفاع معدلات التضخم بوتيرة أسرع من زيادة الأجور تسبب في تآكل القدرة الشرائية، فيما تدهورت قطاعات الصحة والتعليم بشكل لافت.
وأوضح الخبير الإقليمي مارك روسكو لوستو، في تصريح لـ رويترز، أن المواطنين “لم يعودوا قادرين على تغطية احتياجاتهم الأساسية بسبب ارتفاع الأسعار وضعف الأداء الاقتصادي”، مؤكدًا أن الشعور بعدم العدالة الاجتماعية وانتشار الفساد بين المقربين من أوربان لعب دورًا في اندلاع موجة السخط الشعبي.
عودة المجر إلى الحضن الأوروبي
أشارت رويترز إلى أن القادة الأوروبيين استقبلوا فوز ماغيار بترحيب واسع، معتبرين ذلك بداية عودة المجر إلى المسار الأوروبي بعد سنوات من التوتر مع بروكسل. فقد نشر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك مقطع فيديو يتحدث فيه إلى ماغيار قائلاً: “مرحبًا بعودتكم إلى أوروبا”، فيما وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس النتيجة بأنها دليل على “مناعة أوروبا ضد الدعاية الروسية”.
ونقلت وكالة رويترز عن ماغيار قوله في خطاب النصر على ضفاف نهر الدانوب في بودابست: “نريد أن نكون دولة لا تخضع لأي وصاية، دولة يحكمها الجدارة، ويثق مواطنوها بحكومتهم”، في إشارة إلى رغبة حكومته في فك الارتباط عن التحالفات السياسية التي عقدها أوربان مع موسكو.
خسارة مزدوجة لبوتين وترامب
قالت رويترز إن الهزيمة الانتخابية لأوربان تمثل كذلك نكسة للرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، اللذين كانا يعوّلان على بقاء الزعيم الهنغاري لتعزيز نفوذهما السياسي في أوروبا. وذكرت الوكالة أن ترامب، الذي امتدح أوربان مرارًا ووصفه بالزعيم القوي، أرسل نائبه فانس إلى بودابست قبل الانتخابات متعهدًا باستثمارات أميركية ضخمة في حال فوز حليفه، لكن النتائج جاءت معاكسة تمامًا لتوقعاته.
وأضاف معهد المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية، في تصريح نقله رويترز عن الباحث باول زيركا، أن النتائج قد تشكّل “نقطة تحول حقيقية في حرب ترامب الثقافية داخل أوروبا”، مشيرًا إلى أن أوربان كان في صميم محاولة ترامب لبناء شبكة من القادة اليمينيين المتشابهين أيديولوجيًا. وأكد زيركا أن فوز ماغيار سيعطي دفعة قوية للقوى المؤيدة لأوروبا، ويجبر أحزابًا قومية مثل “البديل من أجل ألمانيا” و”التجمع الوطني” الفرنسي على إعادة تقييم علاقاتها بحركة “اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا”.
مستقبل المجر بعد أوربان
بحسب ما أفادت وكالة رويترز، فإن التحدي الأكبر أمام الحكومة الجديدة سيتمثل في إصلاح الاقتصاد واستعادة ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية، مع إعادة بناء العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. ويرى محللون أن ماغيار سيواجه مهمة صعبة لتحجيم نفوذ النخب المرتبطة بالحزب الحاكم السابق، خاصة في مجالات الإعلام والمال. ومع ذلك، فإن فوزه بعث برسالة واضحة مفادها أن المجتمع الهنغاري بدأ يتحرر من الهيمنة الشعبوية التي طبعت مرحلة أوربان.
اقرأ المزيد
سقوط فيكتور أوربان: هل فقد نتنياهو “درعه السياسي” الأخير في أوروبا؟












