وطن-في قاعات مظلمة تعلو فيها الأضواء الحمراء، يضرب مئات الرجال صدورهم على إيقاع قصائد حزينة تمجّد التضحية والشهادة والحرب. مشاهد باتت مألوفة في إيران منذ الحرب الإيرانية–الإسرائيلية عام 2025، حيث تحولت “اللطمية” من طقس ديني إلى أداة تعبئة سياسية ووطنية تُستخدم لترسيخ خطاب الدولة في زمن المواجهة.
كربلاء تتحول إلى خطاب حرب
تعتمد اللطميات الجديدة التي يرعاها مقربون من السلطة الإيرانية على استحضار معركة كربلاء ورموزها التاريخية لإعادة تفسير الصراع الحالي مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
أسماء بارزة في عالم الإنشاد الديني الإيراني مثل مهدي رسولي وحسين طاهري وحسين سطوحي قدّمت أعمالاً تربط بين الإمام الحسين ومفهوم “المقاومة” المعاصرة، في محاولة لتصوير الحرب باعتبارها امتداداً لمعركة الحق ضد الظلم.
المزج بين الدين والقومية
اللافت في الخطاب الجديد أن السلطة الإيرانية لم تكتفِ بالرمزية الدينية فقط، بل بدأت تمزجها بالقومية الفارسية. بعض اللطميات الحديثة استعادت شخصيات أسطورية من ملحمة “الشاهنامه”، وربطت بين أبطال التاريخ الفارسي ورموز كربلاء.
وفي إحدى المناسبات، طُلب من المنشد محمود كريمي أداء نسخة معدّلة من النشيد الوطني الإيراني “أي إيران”، لكن بصياغة دينية تصف إيران بأنها “أرض كربلاء”، في رسالة واضحة تهدف لدمج الهوية الوطنية بالعقيدة السياسية للنظام.
عاشوراء.. أداة تعبئة منذ عقود
تاريخياً، لعبت طقوس عاشوراء دوراً محورياً في الحياة السياسية الإيرانية منذ العهد الصفوي، ثم خلال الثورة الإيرانية عام 1979، وصولاً إلى الحرب العراقية–الإيرانية.
وخلال تلك الفترات، استخدمت السلطة خطاب الحسين وكربلاء لتعبئة الشارع، وربط التضحية الوطنية بالمظلومية الدينية، ما منح النظام قدرة كبيرة على تحريك الجماهير وقت الأزمات.
الدعم الشعبي ليس مضموناً
رغم الحضور الواسع للفعاليات المؤيدة للحكومة، إلا أن قطاعات من الإيرانيين تُبدي تشككاً متزايداً تجاه توظيف الدين في السياسة والحرب.
منتقدون يرون أن النظام يحاول استخدام الرموز الدينية لتعويض أزماته الاقتصادية والسياسية، بينما تؤكد أصوات معارضة أن رمزية كربلاء ليست حكراً على السلطة، بل يمكن استخدامها أيضاً ضدها.
وقد ظهر ذلك بوضوح خلال احتجاجات “الحركة الخضراء” عام 2009، حين شبّه متظاهرون المرشد الإيراني بشخصية يزيد التاريخية، في قلب مباشر للرمزية التي يعتمدها النظام نفسه.
الحرب والهوية الإيرانية
الحرب الأخيرة دفعت النظام الإيراني إلى التركيز أكثر على مفهوم “الدفاع عن إيران” وليس فقط “الدفاع عن الإسلام”، في محاولة لتوسيع دائرة الالتفاف الشعبي حول الدولة.
رفع الأعلام الإيرانية داخل مواكب عاشوراء، واستخدام الرموز القومية الفارسية، يعكس توجهاً جديداً يسعى لدمج الهوية الوطنية بالهوية العقائدية، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الخارجية والتوترات الإقليمية.
هل تكفي الرموز لإنقاذ الشرعية؟
يرى مراقبون أن توظيف عاشوراء واللطمية قد يمنح النظام زخماً عاطفياً مؤقتاً خلال الحرب، لكنه لا يضمن شرعية طويلة الأمد ما لم يترافق مع إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية.
فالرموز الدينية، مهما كانت قوتها التاريخية، تبقى مرتبطة بمدى اقتناع الناس بالرواية الرسمية، وبقدرة الدولة على معالجة أزماتهم اليومية، لا فقط استحضار مشاهد كربلاء في كل مواجهة جديدة.
اقرأ المزيد
“حرب مقدسة لتعجيل هرمجدون”.. قادة بالجيش الأمريكي يخبرون جنودهم أن غزو إيران “مباركة من المسيح”
مسؤول أمريكي سابق: إيران تفرض معادلة ردع جديدة في قلب ممر الطاقة العالمي
اغتيال خامنئي يهزّ طهران وواشنطن تتحفظ: هل ينهار النظام الإيراني أم يتشدد أكثر؟

