وطن -في الوقت الذي تواصل فيه واشنطن عملياتها العسكرية ضد إيران، برزت قضية داخلية أثارت نقاشًا واسعًا في أروقة الجيش الأمريكي، بعدما تقدم مئات العسكريين بشكاوى تتهم عددًا من القادة العسكريين باستخدام خطاب ديني يُضفي على الحرب طابعًا “مقدسًا”.
أكّدت مؤسسة “الحرية الدينية في الجيش الأمريكي” (MRFF)، وهي منظمة تُعنى بالدفاع عن حرية المعتقد داخل المؤسسة العسكرية، أنها تلقت أكثر من مئتي بلاغ من ضباط وجنود يعملون في القوات البرية والبحرية والجوية ومشاة البحرية وحتى في “قوة الفضاء”. وتوزعت هذه الشكاوى على أكثر من 40 وحدة في ما لا يقل عن 30 قاعدة عسكرية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وفق المؤسسة، أعرب العديد من العسكريين عن قلقهم من أن بعض قادتهم ربطوا الحرب ضد إيران بعقيدة “نهاية الأزمنة”، معتبرين أنها خطوة “ممسوحة من المسيح” وممهدة لعودته إلى الأرض. أحد هؤلاء القادة، وفق بيان المؤسسة، تحدث أمام ضباط الصف مؤكدًا أن العمليات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تأتي ضمن “خطة إلهية”، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “ممسوح من يسوع لإشعال الشرارة التي ستطلق معركة النهاية”.
وصف أحد ضباط الصف الذين تواصلوا مع المؤسسة الموقف داخل وحدته بأنه مقلق، قائلاً إن قائده يكرر الإشارة إلى نبوءات “سفر الرؤيا” في كل اجتماع تقريبًا، ويحاول إقناع عناصره بأنهم يخوضون “حرب الله ضد الشر”. وأضاف في بلاغه: “كان يبتسم وهو يتحدث عن ذلك، وكأننا على وشك المشاركة في حدث مقدس لا في معركة عسكرية”.
حتى لحظة نشر التقرير، لم تصدر وزارة الدفاع الأمريكية أي تعليق رسمي يوضح موقفها من تلك المزاعم أو ما إذا كانت ستفتح تحقيقًا داخليًا حولها.
من هته، أشار مايكل ل. وينستين، مؤسس المؤسسة الحقوقية وضابط سلاح الجو الأمريكي السابق، إلى أن الأمر “أعمق من مجرد سلوك فردي”، مؤكدًا أن المؤسسة تتلقى منذ أشهر بلاغات مشابهة تتعلق بترويج فكر “المسيحية القومية” داخل الجيش. واعتبر أن انتشار هذا الخطاب وسط القوات يعكس “صعودًا مقلقًا” للتيارات الدينية المتشددة التي تربط المعارك الجيوسياسية بمعتقدات لاهوتية.
طالت الانتقادات أيضًا وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسِث، المعروف بانتمائه للمحافظين المسيحيين القوميين، إذ يُنظم جلسات أسبوعية لدراسة الكتاب المقدس في البنتاغون، يشارك فيها قادة بارزون. ويتولى قيادة تلك الجلسات الواعظ رالف درولينغر الذي يشدد على أن “دعم إسرائيل واجب ديني”، استنادًا إلى رؤيته بأن “الله يبارك حلفاء إسرائيل ويعاقب أعداءها”.
وتؤكد المؤسسة الحقوقية أن هذه ليست المرة الأولى التي تُثار فيها مثل هذه القضايا داخل المؤسسة العسكرية. ففي أعقاب الهجوم الذي شنته حركة حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وردت شكاوى مشابهة ضد قائد في سلاح الجو ربط حينها الحرب بين إسرائيل وحماس بنبوءات “سفر الرؤيا” نفسها، قائلاً إنها “أحداث مكتوبة في الإنجيل ولا يمكن تغييرها”.
يرى مراقبون أن هذه الممارسات، إن صحّت، قد تُهدد مبدأ الحياد الديني الذي يعدّ من أسس الانضباط داخل الجيوش الحديثة، مؤكدين أن أي تداخل بين المعتقد الشخصي والقرار القتالي قد يُقوّض الثقة بين الجنود وقادتهم، ويحول الحرب من صراع سياسي إلى قضية عقائدية.
وبينما لا يزال التحقيق الرسمي غائبًا، يزداد القلق داخل أوساط الجنود الأمريكيين من توسّع نفوذ “الخطاب الإنجيلي القومي” داخل بعض الوحدات. ومع تصاعد العمليات في الشرق الأوسط، يبدو أن الجبهة الداخلية للجيش الأمريكي تواجه معركة مختلفة — معركة من أجل الحفاظ على الحياد العقائدي الذي لطالما اعتُبر أحد أبرز ضمانات وحدة المؤسسة العسكرية الأمريكية.
انقلاب السحر على الساحر.. إيران تشن “حرب استنزاف” سياسية واقتصادية تربك مخططات نتنياهو وترامب
إلى أين تصل “الموجة الارتدادية” لحرب إيران وأمريكا؟ 10 دول في مهب الحرب بين واشنطن وإيران.. من لبنان إلى الخليج

