وطن-في تحول لافت داخل العلاقات الدولية خلال ولاية دونالد ترامب الثانية، بدأت دول حليفة للولايات المتحدة، من الخليج إلى أوروبا، اختبار حدود الرفض السياسي لواشنطن بطريقة لم تكن مألوفة في السنوات الماضية. وبينما اشتهر ترامب باستخدام الرسوم الجمركية والضغوط الاقتصادية والتهديدات السياسية لفرض أجندته على الحلفاء والخصوم معاً، تكشف الوقائع الأخيرة أن عدداً متزايداً من العواصم بات يعتقد أن قول «لا» للرئيس الأميركي لم يعد مستحيلاً.
وبحسب ما أورده موقع “نيو لاينز ماغازين” عن صحيفة “بوليتيكو” الأميركية، برز هذا التحول بوضوح بعد تعثر خطة عسكرية أطلقها البيت الأبيض تحت اسم «مشروع الحرية»، كانت تهدف إلى إعادة فتح الملاحة عبر مضيق هرمز في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة والحرب المستمرة مع إيران.
خطة ترامب تتعثر في مضيق هرمز
أعلن دونالد ترامب يوم 3 مايو عن عملية عسكرية قال إنها ستعيد «بالتأكيد» حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية والتجارية في العالم. وتعهد الرئيس الأميركي بأن تعبر مئات السفن المضيق خلال ساعات قليلة من بدء العملية.
لكن ما جرى عملياً كان بعيداً تماماً عن التصريحات الأميركية. فبحسب «بوليتيكو»، لم تتمكن سوى سفينتين فقط من عبور المضيق في اليوم الأول، قبل أن تتوقف العملية بالكامل بحلول اليوم التالي.
وتبين لاحقاً أن العقبة الأساسية لم تكن ميدانية فقط، بل سياسية أيضاً، بعدما رفضت السعودية السماح باستخدام قواعدها العسكرية أو مجالها الجوي لدعم العملية الأميركية.
الموقف السعودي يربك واشنطن
مثّل الموقف السعودي ضربة مباشرة للخطة الأميركية، لأن أي عملية واسعة في الخليج تعتمد بدرجة كبيرة على البنية العسكرية والقواعد الموجودة داخل المملكة.
كما أشار صحيفة “بوليتيكو” بحسب ما نقله الموقع إلى أن الكويت بدورها رفضت منح القوات الأميركية حق استخدام قواعدها، ما ضاعف الضغوط على الإدارة الأميركية.
وعلى الرغم من أن القيود السعودية رُفعت لاحقاً بعد اتصال مباشر بين ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة: حتى أقرب حلفاء واشنطن لم يعودوا يمنحون البيت الأبيض موافقة تلقائية على كل خطوة عسكرية أو سياسية.
بداية «فن الرفض» لدى الحلفاء
ترى “نيو لاينز ماغازين” نقلا عن صحيفة “بوليتيكو”، أن هذه الواقعة ليست معزولة، بل تأتي ضمن نمط جديد بدأ يظهر تدريجياً منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025.
ففي بداية ولايته الثانية، كان كثير من الحلفاء يتجنبون معارضة ترامب بشكل مباشر، خوفاً من ردود فعل انتقامية تشمل الرسوم الجمركية أو الضغوط الاقتصادية أو التهديدات السياسية.
لكن الأشهر الأخيرة كشفت أن عدداً من الدول بدأ يدرك أن الرفض المدروس لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار العلاقات مع واشنطن.
الرفض العربي لتهجير الفلسطينيين
وتعتبر صحيفة “بوليتيكو” بحسب ما نقلته “نيو لاينز ماغازين” أن أول اختبار حقيقي لهذه القاعدة الجديدة جاء عندما رفضت خمس دول عربية خطة مرتبطة بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.
في ذلك الوقت، تعامل ترامب مع الموقف العربي بغضب واضح، وقال للصحفيين: «هم يقولون إنهم لن يقبلوا، وأنا أقول إنهم سيقبلون».
لكن بعد أيام قليلة فقط، تراجع البيت الأبيض عن التصعيد، وبدأ الحديث عن الخطة يختفي تدريجياً من الخطاب الرسمي الأميركي، من دون فرض أي عقوبات أو رسوم انتقامية على الدول العربية.
وهنا، بحسب ما نقله الموقع عن صحيفة “بوليتيكو”، بدأ الحلفاء يستوعبون أن ترامب يمكن احتواؤه عبر رفض محسوب لا يتحول إلى مواجهة علنية أو شخصية.
أوروبا تتبنى الأسلوب نفسه
لم يقتصر التحول على الخليج أو العالم العربي. ففي أوروبا أيضاً بدأت حكومات حليفة لواشنطن استخدام الأسلوب نفسه
إيطاليا، بقيادة جورجيا ميلوني، رفضت السماح لطائرات عسكرية أميركية باستخدام قاعدة جوية في صقلية ضمن العمليات المرتبطة بالحرب على إيران، لكنها قدمت القرار باعتباره مسألة «إجرائية» مرتبطة بتأخر الطلب الأميركي، وليس موقفاً سياسياً ضد ترامب.
أما بريطانيا، فقد تعامل رئيس الوزراء كير ستارمر بحذر مع خطة أميركية تضمنت ضغوطاً تجارية مرتبطة بغرينلاند. ورغم انتقاده للسياسة الأميركية، فإنه تجنب مهاجمة ترامب شخصياً، ما ساعد لاحقاً على فتح باب التفاوض وتقليص التوتر.
ألمانيا تدفع ثمن المواجهة المباشرة
لكن صحيفة “بوليتيكو” تشير إلى أن ألمانيا اختارت مساراً مختلفاً وأكثر صدامية. فقد وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس سلوك الولايات المتحدة تجاه إيران بأنه «إهانة»، وهو ما اعتُبر تجاوزاً للخط الأحمر في التعامل مع ترامب.
وجاء الرد سريعاً من البيت الأبيض، بعدما قرر ترامب سحب خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا.
وبعد التصعيد، سارعت برلين إلى تهدئة لهجتها، وتحدثت عن القرار باعتباره «إجراء متوقعاً»، متجنبة توجيه انتقادات شخصية جديدة للرئيس الأميركي.
حلفاء واشنطن يعيدون حساباتهم
وترى “بوليتيكو” أن جزءاً كبيراً من هذا التحول يعود إلى أن الحلفاء كانوا يعتقدون في البداية أن ترامب سيركز أساساً على الملفات الداخلية الأميركية مثل الضرائب والهجرة والاقتصاد.
لكن مع مرور الوقت، اتضح أن الإدارة الأميركية وسعت ضغوطها لتشمل ملفات التجارة والطاقة والتحالفات العسكرية والأمن الإقليمي، ما دفع الدول الحليفة إلى تطوير أسلوب جديد للتعامل مع البيت الأبيض.
ويقوم هذا الأسلوب على قاعدة بسيطة: يمكن رفض مطالب ترامب، لكن بشرط أن يتم ذلك بهدوء، ومن دون تحويل الخلاف إلى معركة شخصية علنية.
هل تتراجع هيبة واشنطن؟
الوقائع الأخيرة، من الموقف السعودي في مضيق هرمز إلى الرفض العربي لخطط غزة، مروراً بالمواقف الأوروبية، تعكس في نظر مراقبين بداية مرحلة مختلفة في علاقة الحلفاء بالولايات المتحدة.
فبعد سنوات كان يُنظر فيها إلى ترامب بوصفه رئيساً يصعب تحديه، بدأت بعض العواصم تكتشف أن واشنطن لا تذهب دائماً إلى أقصى درجات التصعيد، وأن العلاقات الاستراتيجية قد تتحمل مساحة من الاعتراض والمناورة.
وبينما يواصل ترامب الاعتماد على لغة التهديد والرسوم الجمركية والضغوط السياسية، يبدو أن كثيراً من الحلفاء باتوا أكثر استعداداً لاستخدام الكلمة التي كانت تُعتبر الأكثر حساسية في قاموس العلاقات مع البيت الأبيض: «لا».
اقرأ المزيد
ترامب يمهل الاتحاد الأوروبي حتى 4 يوليو لإقرار الاتفاق التجاري: “الرسوم سترتفع فوراً”

