وبحسب ما كشفه موقع “ميدل إيست آي”، أصدر القاضي الفيدرالي ريتشارد ليون أمراً قضائياً أولياً يمنع تنفيذ العقوبات الأمريكية المفروضة على ألبانيز، والتي كانت إدارة ترامب قد أقرتها في يوليو 2025 بعد سلسلة تصريحات وتقارير حادة انتقدت فيها إسرائيل بسبب الحرب على قطاع غزة.
تقرير أشعل الأزمة
انفجرت الأزمة عقب تقرير نشرته فرانشيسكا ألبانيز في 30 يونيو، اتهمت فيه أكثر من 60 شركة عالمية كبرى بالمساهمة في دعم ما وصفته بـ”اقتصاد الإبادة الجماعية” المرتبط بالاحتلال الإسرائيلي.
وشملت القائمة شركات عملاقة مثل غوغل وأمازون ومايكروسوفت، حيث اعتبرت المقررة الأممية أن هذه الشركات لعبت أدواراً مباشرة أو غير مباشرة في دعم البنية التكنولوجية والاقتصادية المرتبطة بالحرب الإسرائيلية على غزة.
كما دعت ألبانيز المحكمة الجنائية الدولية والأنظمة القضائية الوطنية إلى فتح تحقيقات بحق شركات ومسؤولين تنفيذيين، وطالبت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بفرض عقوبات وتجميد أصول مرتبطة بالانتهاكات في الأراضي الفلسطينية.
هذه المواقف دفعت إدارة ترامب إلى فرض عقوبات عليها، شملت حظر دخولها إلى الولايات المتحدة وتقييد تعاملاتها مع النظام المالي الأمريكي.
القضاء الأمريكي يتدخل
لكن القاضي الأمريكي ريتشارد ليون رأى أن العقوبات قد تكون تجاوزت الحدود القانونية والدستورية، خاصة أنها بدت مرتبطة مباشرة بآرائها السياسية ومضمون خطابها بشأن إسرائيل وغزة.
وقال القاضي في حيثيات القرار إن “حماية حرية التعبير تصب دائماً في المصلحة العامة”، معتبراً أن الإدارة الأمريكية “استهدفت ألبانيز على ما يبدو بسبب الرسالة التي عبّرت عنها”.
ويكتسب هذا التوصيف أهمية كبيرة لأنه يضع القضية في إطار دستوري حساس يتعلق بالتعديل الأول للدستور الأمريكي، الذي يحمي حرية التعبير حتى في القضايا السياسية المثيرة للجدل.
عزلة مالية ومعاناة يومية
ووفق الدعوى المدنية التي رُفعت ضد إدارة ترامب، فإن العقوبات لم تكن مجرد خطوة رمزية، بل تسببت عملياً في عزل فرانشيسكا ألبانيز مالياً، وجعلت حياتها اليومية شديدة التعقيد بسبب القيود المصرفية المفروضة عليها.
رفع الدعوى زوجها ماسيميليانو كالي، وهو خبير اقتصادي كبير يعمل في البنك الدولي بتونس، نيابة عنه وعن زوجته وابنتهما الحاصلة على الجنسية الأمريكية.
واتهمت الدعوى الإدارة الأمريكية بمصادرة ممتلكات ألبانيز بصورة غير قانونية، وانتهاك الإجراءات القانونية الواجبة، إضافة إلى إساءة استخدام قوانين العقوبات الفيدرالية.
ومن النقاط اللافتة في الحكم أن القاضي أكد أن إقامة ألبانيز خارج الولايات المتحدة لا تسقط عنها الحماية المتعلقة بحرية التعبير عندما تكون العقوبات مرتبطة مباشرة بآرائها ومواقفها السياسية.
دعم أوروبي متزايد
القضية لم تعد أمريكية فقط، بل تحولت إلى ملف دولي يعكس الانقسام الغربي المتزايد حول غزة وإسرائيل. فبعد أيام من العقوبات الأمريكية، منح رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيزـ وسام الاستحقاق المدني لفرانشيسكا ألبانيز، في خطوة اعتُبرت رسالة تضامن سياسية واضحة معها.
كما طالب سانشيز المفوضية الأوروبية بتفعيل ما يُعرف بـ”نظام الحظر” الأوروبي، وهو إطار قانوني يهدف إلى حماية المؤسسات الدولية والأوروبية من تأثير العقوبات الأمريكية العابرة للحدود.
ويعكس هذا التحرك الأوروبي قلقاً متزايداً من استخدام واشنطن العقوبات ضد مسؤولين أمميين وخبراء دوليين بسبب مواقفهم المتعلقة بالحرب في غزة أو دعمهم للتحقيقات الدولية في جرائم الحرب.
معركة تتجاوز شخص ألبانيز
تحولت قضية فرانشيسكا ألبانيز، إلى اختبار حساس للعلاقة بين حرية التعبير والسياسة الخارجية الأمريكية، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الدولية المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في قطاع غزة.
ويرى مراقبون أن الحكم القضائي المؤقت لا يعني نهاية المعركة القانونية، لكنه يفتح باباً خطيراً أمام الطعن في قدرة الإدارات الأمريكية على استخدام العقوبات لمعاقبة مسؤولين أمميين بسبب تقارير أو مواقف سياسية.
وفي وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية للتحقيق في الحرب على غزة، تبدو قضية ألبانيز مؤشراً على أن معركة الرواية والمحاسبة لم تعد تدور فقط في ساحات القتال أو أروقة الأمم المتحدة، بل وصلت أيضاً إلى قلب النظام القضائي الأمريكي نفسه.