وطن-مع تصاعد الضغوط الأمريكية على إيران ومحاولات خنق اقتصادها عبر البحر، بدأت طهران بهدوء في توسيع رهان مختلف تمامًا: طريق بري طويل يمتد من الصين إلى الداخل الإيراني عبر آسيا الوسطى، بعيدًا عن الهيمنة البحرية الأمريكية في الخليج ومضيق هرمز.
فبينما تعتمد واشنطن منذ سنوات على مراقبة الممرات البحرية وفرض العقوبات وتعقب السفن المرتبطة بإيران، تكشف التطورات الأخيرة عن تحوّل استراتيجي قد يعقّد هذه السياسة؛ إذ ارتفعت حركة قطارات الشحن القادمة من الصين إلى إيران بوتيرة متسارعة، في مؤشر على سعي طهران لإيجاد شريان تجاري بديل يصعب تعطيله بالقوة البحرية التقليدية.
وبحسب ما نقله “فوكس نيوز“، ارتفع عدد قطارات الشحن المتجهة من وسط الصين نحو إيران من قطار واحد أسبوعيًا قبل تشديد الحصار، إلى قطار كل ثلاثة أو أربعة أيام تقريبًا. ويمر هذا الخط عبر كازاخستان وتركمانستان قبل الوصول إلى الأراضي الإيرانية، ما يجعله جزءًا من شبكة تجارة برية واسعة ترتبط بمشاريع الصين العابرة لأوراسيا.
هذا التحول لا يعني أن إيران تخلّت عن الممرات البحرية، لكنه يكشف محاولة واضحة لتقليل اعتمادها على طرق يمكن للولايات المتحدة مراقبتها أو تعطيلها بسهولة. فاعتراض سفينة في الخليج يبقى أسهل سياسيًا وعسكريًا من استهداف شبكة سكك حديدية تمر داخل أراضي عدة دول ذات سيادة، ترتبط بعلاقات مع بكين وطهران في آن واحد.
وتزداد أهمية هذا المسار في ظل التصعيد المستمر بين واشنطن وطهران، خصوصًا بعد تحركات أمريكية لاعتراض شحنات يشتبه في احتوائها على مواد ذات استخدام مزدوج، يمكن توظيفها مدنيًا أو عسكريًا. غير أن انتقال بعض حركة الإمداد إلى البر يضع الولايات المتحدة أمام معضلة أكثر تعقيدًا، لأن أي محاولة لاستهداف هذا الطريق قد تفتح الباب أمام توتر أوسع مع الصين نفسها.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن بكين تعمل منذ سنوات على إنشاء ممرات برية بديلة تقلل اعتماد تجارتها على البحار الخاضعة للنفوذ الأمريكي، ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تقليص قدرة واشنطن على التحكم في خطوط الإمداد العالمية. وفي هذا السياق، يبدو الممر الصيني الإيراني جزءًا من مشروع جيوسياسي أكبر يتجاوز مجرد التجارة التقليدية.
وغلى الرغم الضجة التي أثارها هذا الخط الحديدي، يؤكد خبراء أن قدرته الاقتصادية ما تزال محدودة مقارنة بالنقل البحري، خصوصًا في قطاع النفط. فإيران تعتمد بشكل أساسي على ناقلات النفط العملاقة لتصدير الطاقة، وهي أحجام لا يمكن للقطارات تعويضها.
ونقلت “فوكس نيوز”، عن الخبير في الاستراتيجية الصينية وأمن الملاحة إسحاق كاردون قوله إن «لا شيء يمكنه تعويض ناقلات النفط الخام العملاقة»، معتبرًا أن ما تستطيع إيران نقله عبر البر لا يتجاوز نسبة ضئيلة جدًا مقارنة بما يمر عبر مضيق هرمز.
لكن محدودية الحجم لا تعني غياب الخطر الاستراتيجي. فالمخاوف الأمريكية لا ترتبط فقط بالنفط، بل بإمكانية استخدام هذا الممر لنقل معدات حساسة أو مكونات تدخل في الصناعات العسكرية الإيرانية، مثل تقنيات الطائرات المسيّرة أو المواد المرتبطة ببرامج الصواريخ.
ويرى مسؤولون أمريكيون سابقون أن الخطر الحقيقي يكمن في أن هذا الطريق يمنح إيران متنفسًا جزئيًا بعيدًا عن الرقابة البحرية الأمريكية، كما يمنح الصين قدرة أكبر على دعم حلفائها وشركائها عبر طرق يصعب حصارها أو السيطرة عليها.
وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري والبحري قرب مضيق هرمز، باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم، ومحورًا رئيسيًا في سياسة الضغط على إيران. لكن بروز هذه الطرق البرية يطرح تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت الهيمنة البحرية الأمريكية قادرة وحدها على خنق خصومها كما كان يحدث في السابق.
وفي ظل التنافس المتصاعد بين واشنطن وبكين، لم يعد الملف الإيراني مجرد أزمة إقليمية مرتبطة بالخليج أو البرنامج النووي، بل بات جزءًا من صراع أوسع على النفوذ العالمي ومسارات التجارة والطاقة. فالصين تبني تدريجيًا طرقًا تقلل من فعالية القوة البحرية الأمريكية، بينما تحاول إيران استغلال هذا التحول لكسر جزء من العزلة المفروضة عليها.
وفي النهاية، قد لا يكون خط السكك الحديدية بين الصين وإيران قادرًا على إنقاذ الاقتصاد الإيراني أو تعويض صادرات النفط البحرية، لكنه يكشف تحولًا أعمق في شكل الصراع العالمي: معركة لم تعد تُحسم فقط في البحار، بل أيضًا على القضبان الممتدة عبر قلب آسيا.
اقرأ المزيد
طهران تتهم واشنطن بـ”تصنيع الشرعية” وابتزاز الدول.. هل فشل الفيتو الروسي الصيني في حماية إيران؟
“فخ الاستقرار الصعب”.. قمة بكين بين طموح ترامب في “الصفقة” وصبر شي “الاستراتيجي”

