وطن-تتزايد المؤشرات على تعثر التمويل الخليجي الموعود لـ«مجلس السلام» في غزة، الذي تدعمه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية على القطاع، وتصاعد التحفظات العربية بشأن شكل الإدارة المقترحة ومستوى التمثيل الفلسطيني داخلها.
وقال موقع «ميدل إيست آي» البريطاني إن مسؤولاً أمريكياً رفيعاً زار السعودية في أبريل الماضي لمحاولة تثبيت تعهد المملكة بتقديم مليار دولار لصالح «مجلس السلام» في غزة، بعدما برزت مخاوف من أن التمويل المعلن لم يتحول بعد إلى دفعات فعلية. ونقل الموقع عن مسؤول عربي ومسؤول أمريكي مطلعين على الملف أن الزيارة جاءت في إطار جهود واشنطن لسد فجوة التمويل المتنامية.
وبحسب ما أوردته «ميدل إيست آي»، فإن المسؤول الأمريكي آريه لايتستون، وهو أحد أبرز المسؤولين المكلفين بملف التخطيط الأمريكي لما بعد الحرب في غزة، التقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وبحث معه التعهد المالي الذي قدمته الرياض للمجلس في فبراير الماضي.
ويُعد لايتستون، وهو حاخام أمريكي وحليف مقرب من جاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب، من بين عدد محدود من المعينين السياسيين الذين استعانت بهم الإدارة الأمريكية لوضع تصور لإدارة قطاع غزة بعد الحرب، إلى جانب رجال أعمال إسرائيليين في قطاع التكنولوجيا وشخصيات مرتبطة بحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ووفقاً للموقع البريطاني، يضم «مجلس السلام» لجنة من تكنوقراط فلسطينيين حظوا بموافقة إسرائيلية، على أن تتولى إدارة الشؤون اليومية في قطاع غزة. غير أن السعودية، بحسب ما فهمه «ميدل إيست آي»، تضغط من أجل تمثيل فلسطيني أوسع داخل الهيكل العام للمجلس، في خطوة تعكس قلقاً عربياً من أن تتحول ترتيبات ما بعد الحرب إلى إدارة مفروضة لا تحظى بقبول فلسطيني كافٍ.
ويُقدم «مجلس السلام» بوصفه إطاراً تقوده الولايات المتحدة ويضم أكثر من 25 دولة، إلا أن مسؤولين غربيين وعرباً قالوا لـ«ميدل إيست آي» إن تمويله الفعلي يعتمد بدرجة كبيرة على دول الخليج. وفي المقابل، تعهد ترامب بتخصيص 10 مليارات دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لدعم هذا الكيان.
وتأتي الضغوط الأمريكية على السعودية للإفراج عن التمويل في وقت تركز فيه الرياض أيضاً على ملف آخر بالغ الحساسية، يتعلق بمحاولة الإفراج عن نحو 5 مليارات دولار من عائدات الضرائب الفلسطينية المجمدة التي تحتجزها إسرائيل عن السلطة الفلسطينية.
ونقل «ميدل إيست آي» عن مسؤول في المنطقة قوله إن السعودية تريد من إسرائيل الإفراج عن هذه الأموال، بدلاً من أن تضطر الدول العربية إلى استخدام أموالها كطوق نجاة مالي للسلطة الفلسطينية المحاصرة مالياً، خصوصاً في ظل غياب إصلاحات جوهرية. ولم يتضح ما إذا كانت الرياض تربط بين ملف تمويل «مجلس السلام» وملف أموال الضرائب الفلسطينية المحتجزة.
وفي سياق متصل، قالت الصحيفة إن لايتستون وعدداً من المستشارين الأمريكيين كانوا، حتى أواخر العام الماضي، يقيمون في فندقين فاخرين على شاطئ تل أبيب، هما «كمبينسكي» و«هيلتون»، أثناء عملهم على صياغة خطط مستقبلية لقطاع غزة.
وكان لايتستون قد أكد في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» في نوفمبر الماضي أن إحدى الخطط المطروحة تتعلق ببناء مساكن لآلاف الفلسطينيين الذين يتم «فحصهم» أمنياً، ليعيشوا خلف ما يسمى «الخط الأصفر» في غزة، وهي منطقة توجد فيها قوات إسرائيلية.
وأضافت «ميدل إيست آي» أن المستشارين الأمريكيين صاغوا أيضاً أفكاراً لتحويل غزة إلى مركز تكنولوجي للذكاء الاصطناعي ومدينة ضخمة حديثة، وهي خطط أثارت انتقادات واسعة من معارضين رأوا فيها محاولة لإعادة تشكيل القطاع بصورة تخدم تهجير الفلسطينيين أو إقصاءهم عن أرضهم.
وتأتي هذه التحركات بينما يواصل قطاع غزة دفع ثمن الحرب الإسرائيلية التي اندلعت بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023 التي قادتها حركة حماس على جنوب إسرائيل. وبحسب الأرقام الواردة في تقرير «ميدل إيست آي»، فقد أسفرت الحرب حتى الآن عن مقتل أكثر من 72 ألفاً و500 فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، فيما وصفت الأمم المتحدة وعشرات الخبراء الحقوقيين وقادة دوليون ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية.
وفي مشهد يعكس استمرار المأساة الإنسانية، وثقت صور من مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط قطاع غزة، في 17 مايو 2026، لحظة وداع الفلسطيني يوسف ريان جثمان نجله إبراهيم، الذي قتل في ضربة إسرائيلية، وفق صورة التقطتها وكالة الصحافة الفرنسية.
وأشارت «ميدل إيست آي» إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران سحبت جانباً كبيراً من الاهتمام الدولي بعيداً عن غزة، رغم استمرار الهجمات الإسرائيلية على القطاع. ووفقاً للتقرير، قُتل أكثر من 850 فلسطينياً منذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر 2025، وسط خروقات شبه يومية للتهدئة، بالتزامن مع تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.
ولا تزال إسرائيل تفرض قيوداً مشددة على دخول المساعدات إلى قطاع غزة، فضلاً عن مواد إعادة الإعمار، رغم أن نحو 90% من البنية التحتية المدنية في القطاع تعرضت للتدمير، ما يجعل أي حديث عن إعادة إعمار غزة مرتبطاً بشكل مباشر بفتح المعابر وتوفير ضمانات سياسية وأمنية.
وكانت السعودية وقطر والكويت والإمارات قد تعهدت في أوائل فبراير الماضي بتقديم أكثر من 4 مليارات دولار لدعم «مجلس السلام» الذي أنشأه ترامب عقب وقف إطلاق النار في غزة. غير أن تحويل هذه التعهدات إلى تمويل فعلي لا يزال يواجه صعوبات واضحة.
وبحسب «ميدل إيست آي»، بدأ جزء من التمويل الإماراتي، وهي الدولة التي تعد أقرب شريك عربي لإسرائيل، في التدفق إلى المجلس، ومن بينه 100 مليون دولار مخصصة لقوة شرطة فلسطينية مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل. في المقابل، لا تزال السعودية ودول عربية أخرى أكثر تحفظاً في صرف تعهداتها.
وفي السياق ذاته، أفادت وكالة «رويترز» بأن «مجلس السلام» يواجه فجوة كبيرة بين التعهدات المالية المعلنة والمبالغ التي جرى صرفها فعلياً. ونقلت الوكالة، استناداً إلى تقرير قُدم إلى مجلس الأمن الدولي في 15 مايو، أن المجلس شدد على ضرورة «إغلاق الفجوة بين الالتزام والصرف بصورة عاجلة».
وذكرت «رويترز» أن التعهدات المعلنة لصالح «مجلس السلام» في فبراير بلغت 17 مليار دولار، إلا أن بطء تدفق الأموال يثير تساؤلات حول قدرة المجلس على تنفيذ خططه في غزة، خصوصاً في ظل استمرار الخلافات السياسية بشأن إدارة القطاع وتمثيل الفلسطينيين.
ويترأس ترامب «مجلس السلام» سياسياً، بينما يتولى إدارته التنفيذية نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي السابق، الذي كان يعمل في أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في الإمارات قبل اختياره لهذا المنصب.
وبين ضغوط واشنطن، وحسابات الخليج، والاعتراضات الفلسطينية، واستمرار التصعيد الإسرائيلي، يبدو أن مشروع «مجلس السلام» في غزة يواجه اختباراً مبكراً: فالمشكلة لم تعد في حجم التعهدات المعلنة، بل في مدى استعداد الأطراف لتحويلها إلى واقع سياسي ومالي قابل للتنفيذ.
قرأ أيضاً
خطة “مجلس السلام”: 100 مليون دولار إماراتية لتمويل شرطة غزة الجديدة وقوة دولية بقيادة المغرب
وثيقة مسربة: نزع سلاح حماس مقابل الهدنة.. هل ينهار اتفاق غزة بقرار من “مجلس السلام”؟

