جزيرة سقطرى: موقع فريد وبيئة لا مثيل لها
وطن – تقرير خاص – تقع جزيرة سُقطرى عند ملتقى بحر العرب بالمحيط الهندي قرب القرن الأفريقي، وتتمتع ببيئة طبيعية فريدة جعلتها تُلقَّب بـ”غالاباغوس المحيط الهندي“. أُدرجت سقطرى عام 2008 ضمن قائمة اليونسكو للتراث الطبيعي العالمي تقديرًا لتنوعها الحيوي الاستثنائي
تحوي الجزيرة نحو 835 نوعًا من النباتات الوعائية؛ 37% منها أنواع متوطنة لا توجد في أي مكان آخر في العالم. هذا إلى جانب أنواع فريدة من الحيوانات والزواحف والطيور التي تطورت عبر آلاف السنين من العزلة. يبلغ عدد سكان سقطرى حوالي 60 ألف نسمة يعيشون في تجمعات صغيرة، وقد ظلت الجزيرة تتبع اليمن إداريًا لمئات السنين. تتميز سقطرى بتضاريس متنوعة تشمل سلاسل جبلية وهضابًا كلسية وهضبة مركزية (هضبة ديكسم) تنتشر فوقها أشجار دم الأخوين ذات الشكل الفطري المميز. هذه الخصوصية البيئية لا مثيل لها عالميًا، مما جعل سقطرى كنزًا طبيعيًا ومكانًا ذا أهمية بيئية وعلمية بالغة.
لكن موقع سقطرى الاستراتيجي – شرق القرن الأفريقي وجنوب اليمن وفي ممر ملاحي حيوي – جعلها أيضًا مطمعًا للقوى الإقليمية. فعلاوة على أهميتها البيئية، تتمتع سقطرى بموقع جغرافي بالغ الأهمية على طرق التجارة الدولية عبر باب المندب وقربًا من القرن الأفريقي. هذا الموقع حولها إلى محطة محتملة لـالمشاريع العسكرية والتجارية في المنطقة. ومن هنا بدأت قصة التنافس على الجزيرة، وبرزت الأطماع الإماراتية فيها خلال سنوات الحرب الأهلية اليمنية.
الأطماع الإماراتية في سقطرى: من المساعدات إلى فرض السيطرة
دخلت الإمارات الحرب في اليمن عام 2015 ضمن التحالف الذي قادته السعودية ضد الحوثيين، وسرعان ما بدأت أبوظبي توسيع نفوذها في المناطق الجنوبية والساحلية. وجدت الإمارات في سقطرى فراغًا أمنيًا يمكن استغلاله، خصوصًا مع بعدها عن جبهات القتال الرئيسية. منذ 2016 كثّفت مؤسسة خليفة والهلال الأحمر الإماراتي نشاطها الإغاثي والتنموي في الجزيرة، حيث أُنشئت مستشفيات ومحطات كهرباء ومياه بدعم إماراتي. في البداية رُحِّبت تلك المساعدات إنسانيًا، لكنها مهّدت لتواجد عسكري وسياسي متزايد لأبوظبي في سقطرى.
في أبريل 2018، اتخذت الإمارات خطوة جريئة كشفت نواياها الحقيقية في الجزيرة. فقد أنزلت أكثر من 100 جندي إماراتي مع آليات ثقيلة في مطار سقطرى ومينائها دون تنسيق مسبق مع حكومة اليمن. قام الجنود الإماراتيون على الفور بطرد القوات اليمنية المكلفة بحماية المطار والمرافق الحيوية، ورفعوا علم الإمارات فوق المباني الرسمية في حديبو (عاصمة سقطرى). كما وُضعت صور ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد في المؤسسات والشوارع الرئيسية، في مشهد اعتبره اليمنيون انتهاكًا سافرًا للسيادة. وأعلنت حكومة الرئيس هادي آنذاك أن ما قامت به الإمارات عمل عدائي غير مبرر واعتداء على سيادة اليمن. اندلعت احتجاجات شعبية في حديبو تندد بالوجود الإماراتي وترفع شعارات وحدة اليمن، بالتزامن مع خروج تظاهرات أصغر مؤيدة للإمارات نظمها حلفاؤها المحليون. ولتهدئة الأزمة أرسلت السعودية قوات إلى سقطرى للتوسط، وتم التوصل لاتفاق في 14 مايو 2018 يقضي بإعادة المطار والميناء لسيطرة الحكومة اليمنية مع بقاء رمزي للقوات السعودية لمراقبة التنفيذ. سُحبت القوات الإماراتية رسميًا في حينه، لكن ذلك لم يكن نهاية القصة.
واصلت الإمارات ترسيخ نفوذها ناعمًا عبر دعم شخصيات محلية موالية وتقديم خدمات مباشرة للسكان. تشير تقارير صحفية إلى أن أبوظبي تعاملت مع سقطرى كأنها أراضٍ إماراتية؛ إذ أنشأت شبكات اتصالات تربط الجزيرة باتصالات الإمارات بدلًا من شبكات اليمن، وأجرت تعدادًا سكانيًا في الأرخبيل، بل ومنحت كثيرًا من سكان سقطرى تصاريح إقامة وعمل مجانية في أبوظبي فضلًا عن تقديم خدمات الصحة والتعليم مجانًا لهم. كما موّلت بناء طرق ومستشفيات ومدارس جديدة، وأعادت تأهيل ميناء حولاف الرئيسي. وتحدثت مصادر يمنية عن إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية بالقرب من الميناء دون موافقة الحكومة.
وروّج الإعلام الإماراتي لهذه الأعمال على أنها «مساعدة لأشقائنا في سقطرى»، بينما رآها مسؤولون يمنيون تكريسًا لاحتلال مقنّع للجزيرة. حتى أن وزارة السياحة اليمنية حذّرت عام 2018 من تقارير تفيد بأن الإمارات حاولت دفع الأهالي لإجراء استفتاء على تقرير المصير وفصل سقطرى عن اليمن، ووصفت ذلك بأنه خطوة خطيرة نحو “اقتطاع” الجزيرة. وفي تطور لافت، ذكرت مصادر محلية في سقطرى حينها أن الإمارات وقّعت اتفاقًا غير معلن مع مسؤولين موالين لاستئجار جزيرتي سقطرى وعبدالكوري لمدة 99 عامًا وهي مزاعم لم تؤكدها أبوظبي رسميًا، لكنها زادت شكوك اليمنيين بنوايا الإمارات طويلة الأمد في الأرخبيل.
بلغ النفوذ الإماراتي ذروته مع تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي (المدعوم إماراتيًا) وسيطرته على أجزاء واسعة من جنوب اليمن. ففي يونيو 2020 استغل الانتقالي حالة الفوضى وضعف الحكومة الشرعية، ونفّذ انقلابًا عسكريًا في سقطرى سيطر خلاله على مقر المحافظة والمعسكرات، وأجبر القوات الحكومية على الانسحاب. ومنذ ذلك الحين أصبحت سقطرى تحت قبضة الانفصاليين الموالين للإمارات بالكامل. عيّن المجلس الانتقالي محافظًا جديدًا للجزيرة مواليًا له، وأحكم سيطرته على كل المرافق بما فيها الميناء ومطار سقطرى. وبذلك تحوّلت سقطرى فعليًا إلى كانتون معزول عن سلطة صنعاء وعدن الشرعية، وصار القرار الفعلي فيها لأبوظبي عبر وكلائها.
خلال هذه الفترة، استمرت الإمارات في تعزيز وجودها العسكري غير المعلن في الأرخبيل. تحدثت تقارير غربية عن إنشاء قواعد اتصالات ورصد استخباراتي في سقطرى ربما بالتعاون مع طرف ثالث، بالإضافة إلى مدرجات جوية ومعسكرات في جزيرة عبدالكوري المجاورة. ورغم شح المعلومات الرسمية، تشير هذه المعطيات إلى أن الإمارات سعت لجعل سقطرى قاعدة متقدمة لمشاريعها العسكرية والتجارية في بحر العرب، حيث وصف محللون الجزيرة بأنها أشبه بـ”حاملة طائرات” طبيعية تمكن الإمارات من مراقبة الملاحة في المحيط الهندي وباب المندب.
باختصار، منذ 2015 وحتى اليوم بنت الإمارات وجودًا متشعبًا في سقطرى: حضور عسكري مباشر (ثم غير مباشر عبر حلفاء محليين)، سيطرة إدارية واقتصادية عبر مسؤولي الانتقالي، وبنية تحتية وخدمات ربطت الجزيرة بالإمارات عضويًا. هذه الممارسات تُوّجت بوضع يد أبوظبي على سقطرى وجعلها بحكم الواقع تحت الوصاية الإماراتية، رغم بقاء السيادة القانونية لليمن. وهذا ما يدفع كثيرين لوصف ما يحدث بأنه “احتلال إماراتي” غير معلن للجزيرة.
سكان سقطرى بين الترغيب والترهيب: هل هم راضون؟
على وقع هذه التحولات، وجد سكان سقطرى أنفسهم في قلب صراع النفوذ. فبينما حاولت الإمارات استمالة الأهالي عبر تقديم المساعدات وفرص السفر والعمل في أبوظبي، برزت في المقابل احتجاجات شعبية رافضة للوجود الإماراتي. في مايو 2018 تظاهر المئات في حديبو هاتفين لوحدة اليمن وضد محاولات الهيمنة الإماراتية.
وتكرر المشهد لاحقًا؛ ففي نوفمبر 2024 خرجت احتجاجات حاشدة في الجزيرة تطالب بطرد القوات الإماراتية وميليشيات المجلس الانتقالي التابعة لهاen.althawranews.net. رفع المحتجون شعارات تصف الوجود الإماراتي بـ”الاحتلال” وطالبوا بعودة سقطرى إلى سيادة الدولة اليمنية.

وأظهرت مقاطع مصوّرة نُشرت على مواقع التواصل مئات السكان يجوبون شوارع حديبو رافعين العلم اليمني ومرددين هتافات ضد الهيمنة الإماراتية. هذه التحركات الشعبية تدل على أن قطاعات واسعة من السقطريين غير راضية عما آلت إليه الأمور تحت سيطرة أبوظبي.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض الأهالي – خاصة ممن حصلوا على منافع مباشرة – أبدوا مواقف أكثر إيجابية تجاه الدور الإماراتي. فعندما اندلعت أزمة 2018، خرجت تجمعات منظمة مؤيدة للإمارات في حديبو رفعت أعلام أبوظبي وصور قياداتها، في محاولة لإظهار دعم شعبي محلي. كما أن استمرار توفير الخدمات الأساسية (كهرباء مجانية عبر مولدات إماراتية، وتحسين المستشفى الوحيد بالجزيرة “مستشفى خليفة”) أكسب أبوظبي تأييدًا لدى البعض ممن رأوا في تلك الخدمات تعويضًا عن إهمال الحكومات السابقة. غير أن هذا التأييد يظل محدودًا ومشوبًا بالحذر؛ فكثيرون يدركون أن الإمارات لم تأتِ لخدمة إنسانية خالصة، بل لتحقيق مصالحها. وقد عبّر أحد الناشطين السقطريين عن ذلك صراحة بقوله: “الإمارات سرقت كل شيء… حتى ماء الناس ونور عيونهم. تاريخنا سيكون هو التالي”، في إشارة إلى مخاوف طمس هوية الجزيرة وتراثها.
اليوم، يعيش سكان سقطرى وضعًا معقدًا. فمن جهة، توقفت المعارك العسكرية على أرضهم ولم يصلها دمار الحرب المباشرة كسائر مناطق اليمن، وربما شعر البعض بالأمان بفضل وجود قوات الانتقالي المدعومة إماراتيًا. لكن من جهة أخرى، باتت الجزيرة معزولة سياسيًا واقتصاديًا عن وطنهم اليمني، وخاضعة لقوة أمر واقع أجنبية تتحكم بمقدراتها. التقارير تشير إلى تدهور الخدمات مؤخرًا رغم كل الدعم الإماراتي، حيث يشكو الأهالي من انقطاعات في الكهرباء وشح المواد الأساسية وغلاء الأسعارe. ويعتبر المحتجون أن موارد سقطرى تُنهب وتُصدّر خارجها فيما يعاني السكان محليًا. هذا السخط الشعبي مرشح للتزايد كلما طالت الأزمة، لا سيما أن صوت السقطريين يكاد لا يُسمع في خضم التجاذبات الإقليمية حول مصير الجزيرة.
نهب الموارد والبيئة الفريدة في خطر
لم يقتصر ما تعتبره صنعاء «احتلالًا إماراتيًا» لسقطرى على السيطرة العسكرية والإدارية، بل تعداه إلى نهب خيرات الجزيرة الطبيعية النادرة، ما يهدد كنوزها البيئية.
فقد اتهمت السلطات اليمنية مرارًا الإمارات بسرقة نباتات وحيوانات مستوطنة في سقطرى ونقلها إلى الخارج.

وظهر خلال السنوات الماضية أدلة مصوَّرة صادمة تدعم هذه الاتهامات؛ إذ انتشرت على مواقع التواصل صور لأشجار دم الأخوين السقطرية المزروعة في أبوظبي وفي مرافق عامة بدولة الإمارات. إحدى هذه اللقطات أظهرت مواطنًا إماراتيًا يستعرض بفخر شجرة دم الأخوين عند مدخل منزله مؤكّدًا أنها جُلبت من سقطرى.
كما نشرت صور لأشجار نادرة من الجزيرة وقد زُرعت في أحد شوارع دبي. هذه المشاهد أثارت غضبًا واسعًا، إذ أكّدت تقارير صحفية مستقلة (كصحيفة The Independent البريطانية) حصول عمليات منظمة لاقتلاع نباتات وأشجار نادرة من سقطرى ونقلها بحرًا إلى الإمارات.
ونقل ذا إندبندنت عن عامل في ميناء صلالة العُماني مشاهدته أشجار دم أخوين مُقتَلعة تم إنزالها من حاويات قادمة من سقطرى، كما أفاد ناشطون برصدهم صخورًا ومرجانًا سقطريًا يُستخدم في تزيين مبانٍ بمدينة الشارقة الإماراتية.

وتذهب تقارير يمنية إلى أن الأمر شمل أيضًا الحياة البرية النادرة في الأرخبيل. حيث تم تسجيل محاولات لتهريب طيور مستوطنة وأصناف من الزواحف والفراشات التي لا توجد إلا في سقطرى. وتتهم مصادر محلية القوات الإماراتية والمتعاونين معها بتحويل أجزاء من الجزيرة إلى “محميات خاصة بهم”، واقتطاع الأحجار المرجانية من الشواطئ ونقلها للسفن. كل ذلك يجري فيما تبرر أبوظبي تحركاتها بأنها بغرض حماية البيئة السقطرية أو إجراء أبحاث علمية لكن دون تنسيق مع الجهات اليمنية أو الدولية المختصة. وقد حذّرت منظمة اليونسكو مرارًا من أن الأنشطة غير المسؤولة في سقطرى (سواء عسكرية أو تجارية أو تهريب) تهدد النظام البيئي الهش للجزيرة الذي يضم كنوزًا فريدة لا تقدر بثمن. ووصل الأمر بمكتب حماية البيئة اليمني إلى وصف ما يحدث بأنه “كارثة بيئية” محققة إذا استمر نهب النباتات النادرة بهذا الشكل. فالأشجار السقطرية وعلى رأسها دم الأخوين تحتاج قرونًا لتنمو ولا يمكن تعويضها إذا اقتُلعت. وكذلك الشعب المرجانية تحتاج حماية خاصة.
بالتالي، يُجمع المراقبون على أن العسكرة والإهمال الذي تشهده سقطرى منذ خضوعها للانتقالي أثّرا سلبًا على بيئتها. فقد تراجعت جهود الحفاظ على المحميات الطبيعية، ودخلت أنواع دخيلة تهدد التنوع الحيوي، وزادت معدلات قطع الأشجار للرعي والبناء مع غياب الرقابة.
ومما يزيد المخاوف أن تستمر عمليات النهب المنظم للموارد ونقلها خارج البلاد، لتستفيد منها جهات أجنبية بينما تخسر سقطرى تراثها الطبيعي الفريد. هذا الجانب يزيد من نقمة اليمنيين على الدور الإماراتي، ويرسّخ صورة أبوظبي كقوة تسعى لتحقيق مكاسب مادية حتى ولو على حساب كنز بيئي عالمي مثل سقطرى.
التطورات الأخيرة: مهلة سعودية للانسحاب وتصاعد التوتر
شهدت الأيام الأخيرة من ديسمبر 2025 تصعيدًا دراماتيكيًا بشأن الوجود الإماراتي في جنوب اليمن عمومًا وسقطرى خصوصًا. فبعد أن اندفعت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي (المدعومة إماراتيًا) في أوائل ديسمبر للسيطرة على مناطق واسعة في حضرموت والمهرة مخالفة اتفاقات تقاسم السلطة، اعتبرت الرياض هذا التحرك تحديًا مباشرًا لها وللحكومة اليمنية الشرعية.
وبلغت التوترات ذروتها عندما نفّذت السعودية ضربة جوية مفاجئة فجر 30 ديسمبر استهدفت شحنة أسلحة في ميناء المكلا بحضرموت قالت الرياض إنها مرسلة من الإمارات لدعم الانفصاليين. مثّل ذلك أول مواجهة عسكرية علنية بين الحليفين الخليجيين في الساحة اليمنية، وكشف حجم الخلافات بينهما.
أعقب الضربة بساعات إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (الموالي للسعودية) مهلة مدتها 24 ساعة لخروج أي قوات إماراتية متبقية في اليمن. وحظيت هذه الخطوة غير المسبوقة بدعم سعودي كامل وفق ما أوردته المصادر الرسمية. كانت الرسالة شديدة الوضوح: على أبوظبي أن تنهي وجودها العسكري كليًا في اليمن، بما في ذلك سقطرى وبقية المناطق الجنوبية، دون تأخير.
جاء رد أبوظبي سريعًا في اليوم نفسه. حيث أعلنت الإمارات – في لهجة مخففة – أنها قررت من تلقاء نفسها سحب ما تبقى من قواتها في اليمن وإنهاء مشاركتها ضمن مهمة “مكافحة الإرهاب” هناك. حاول البيان الإماراتي تصوير الانسحاب على أنه إجراء مخطط سلفًا وليس رضوخًا للضغوط، مؤكّدًا أن الإمارات أنهت وجودها العسكري منذ 2019 وما بقي كان فرقًا تدريبية محدودة\. لكن واقع الأحداث أوحى بأن الضغط السعودي أثمر سريعًا: فخلال ساعات من المهلة، باشرت أبوظبي نقل أفرادها من مواقع في حضرموت وشبوة (مثل مطار الريان ومنشأة بلحاف النفطية)، في محاولة لامتصاص الغضب السعودي وقطع الطريق على أي مواجهة مباشرة.
غير أن سقطرى بقيت عقدة الملف التي لم تُحل بعد. إذ تفيد التقارير بأنه مع انتهاء المهلة يوم 31 ديسمبر، لم تلحظ أي بوادر لانسحاب إماراتي فعلي من سقطرى. فلا تزال المرافق الحيوية (كمحطات الوقود ومحطات توليد الكهرباء التي أنشأتها الإمارات) تحت الإدارة الإماراتية/الانتقالية حتى الآن. بل على العكس، شهدت الجزيرة تصعيدًا ميدانيًا بين القوات الإماراتية (ووكلائها) والقوات السعودية المرابطة هناك.
فقد كشفت مصادر محلية أن قوات المجلس الانتقالي في سقطرى حاصرت القوة السعودية الموجودة في مطار حديبو عبر نشر مدرعات وإقامة حواجز حول المطار وفي مداخل المدينة. تزامن ذلك مع اقتراب سفينة شحن إماراتية تُدعى “تكريم” من الرسو في ميناء سقطرى، حيث خشيت قوات التحالف أن تحمل أسلحة أو معدات لتعزيز الانتقالي. وعندما ألمح السعوديون إلى نيتهم تفتيش الشحنة أو منعها، دعا الانتقالي أنصاره إلى التظاهر ضد الوجود السعودي في سقطرى، في مشهد غير مألوف يضع حليفي الأمس في مواجهة مباشرة على أرض الجزيرة.
وبالفعل، تشير التقارير إلى أن السفينة الإماراتية أفرغت حمولتها بالقوة رغمًا عن التحذيرات السعودية، وسط توتر غير مسبوق ينذر باحتمال اندلاع مواجهات في سقطرى نفسهاsa24.co. هذا التطور يدل على أن الإمارات لم تتخلَ عن سقطرى ضمن انسحابها المعلن، وأنها تناور عبر وكلائها للإبقاء على سيطرتها على الجزيرة رغمًا عن الرياض.
على الصعيد السياسي، لا تزال المفاوضات جارية خلف الأبواب بين السعودية والإمارات لنزع فتيل الأزمة الأكبر بينهما في اليمن. فقد مارست الرياض ضغوطًا دبلوماسية مكثفة لحمل أبوظبي على كف يدها عن الجنوب اليمني بالكامل. ويبدو أن رسالة الرياض للإمارات هي أن استمرار دعمها للانتقالي ومشروع انفصال الجنوب يهدد أمن المملكة نفسه ولن يُسمح به.
في المقابل، ترى أبوظبي أن التخلي عن حلفائها في الانتقالي سيضر بمصداقيتها ونفوذها الإقليمي. وحتى الآن، جاء انسحاب الإمارات العسكري المعلن شكليًا ولم يمس جوهر المشروع الإماراتي في الجنوب. فلا يزال المجلس الانتقالي يسيطر على عدن وسقطرى والمكلا ومناطق واسعة، بدعم سياسي ومالي إماراتي مستمر وإن غابت القوات النظامية.
كما لم تُعلن أبوظبي صراحة تخليها عن مطامعها التجارية والاستراتيجية في موانئ وجزر اليمن. لهذا يشكك محللون في جدية الانسحاب الإماراتي، ويعتبرونه مجرد مناورة لامتصاص الغضب السعودي مؤقتًا. وقد عبّر دبلوماسي غربي عن ذلك بقوله إن خروج بضع عشرات من الجنود الإماراتيين لن يغير الواقع طالما بقيت شبكات النفوذ الإماراتي فاعلة في الميدان.
على وسائل التواصل الاجتماعي، تابع اليمنيون بحذر تلك التطورات. ورأى كثير من النشطاء أن سقطرى هي المحك الحقيقي لصدق نوايا الإمارات بالانسحاب. فكما غرّد أحدهم: “على الإمارات كي تُثبت فعلا أنها انسحبت من اليمن، أن تُثبت لليمنيين أنها غادرت سقطرى وميون…”.
وكتب آخر أن بقاء الإمارات في سقطرى بعد كل ما حدث يعني أنها تعتبر الجزيرة “محمية تابعة لها” ولن تتخلى عنها بسهولة.
مثل هذه الآراء تعكس انعدام الثقة بتصريحات أبوظبي، وترقب الشارع اليمني لما ستسفر عنه المواجهة السعودية-الإماراتية غير المعتادة. فإما أن ترضخ الإمارات وتسحب يدها نهائيًا من سقطرى (وهذا تطور سيُحسب انتصارًا للسيادة اليمنية برعاية سعودية)، أو أن تستمر في المماطلة عبر إبقاء سيطرتها غير المباشرة، وهو ما قد يدفع السعودية للتصعيد أكثر وربما خطوات أحادية لاستعادة الجزيرة.
خاتمة: سقطرى بين مطرقة الإمارات وسندان الصراعات
في المحصلة، تبدو جزيرة سقطرى اليوم رهينة تجاذبات إقليمية تتجاوز حدود اليمن. فعلى أرض الواقع، استولت الإمارات فعليًا على الجزيرة عبر أدواتها المحلية وجعلتها قاعدة نفوذ متقدمة لها خلال سنوات الحرب. ورغم الضغوط الأخيرة، ما زال العلم الإماراتي يرفرف ضمنيًا فوق حديبو من خلال سيطرة المجلس الانتقالي وموالاة الأجهزة المحلية لأبوظبي. الكثير من اليمنيين باتوا ينظرون إلى سقطرى باعتبارها “مستعمرة إماراتية” بحكم الأمر الواقع، خاصة مع استمرار رفع أعلام الإمارات وصور قادتها في أنحائها منذ سنوات. ويطرح الوضع أسئلة ملحّة: هل انتهى أمر سقطرى كيمنية الهوية؟ أم أن استعادتها ممكنة في ظل المتغيرات الجديدة؟
السعودية من جهتها تبدو أخيرًا عازمة على تقليم أظافر الإمارات في اليمن، وسحب البساط من تحت مشروعها هناك. فإن نجحت ضغوط الرياض في إرغام أبوظبي على فك قبضتها عن سقطرى، فقد تشهد الجزيرة عودة تدريجية لسلطة الحكومة اليمنية أو على الأقل تحييدها عن صراع المحاور. أما إن تراجعت السعودية أو عقد الطرفان صفقة تتقاسم النفوذ، فقد تبقى سقطرى في مهب الريح، تحت سيطرة غير رسمية للإمارات لعقود قادمة. وفي هذه الحالة، يخشى اليمنيون أن يُكرّس واقع فصل سقطرى عن وطنها الأم وتحويلها إلى “جزيرة معزولة” تتبع فعليًا لإمارة أبوظبي دون اعتراف دولي.
إن مصير سقطرى معلق اليوم على ميزان التنافس السعودي-الإماراتي وتوازناته. وقد أثبتت الأحداث أن أهل الجزيرة وقيمتها البيئية والتراثية هم الخاسر الأكبر من هذا التجاذب. فبين مطرقة الأطماع الإماراتية وسندان التجاهل الدولي وضعف الحكومة اليمنية، تقاوم سقطرى للحفاظ على يمنيتها وخصوصيتها.
اقرأ أيضاُ:










