واشنطن – وطن – في ظل تصاعد الجدل داخل الأوساط السياسية الأميركية، أثار الهجوم العسكري الذي أمر به الرئيس دونالد ترامب على فنزويلا، وما أعقبه من القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، موجة من الانتقادات والانقسامات حتى داخل الحزب الجمهوري نفسه. النائبة الجمهورية عن ولاية جورجيا، مارجوري تايلور غرين، كانت في طليعة الأصوات الرافضة للعملية، معتبرة أنها تمثل خيانة لجوهر شعار “أميركا أولاً” الذي شكّل العمود الفقري لحملات ترامب الانتخابية.
خلاف سياسي يتجاوز الخطوط الحزبية
غرين، التي كانت قد دخلت في مواجهة علنية مع ترامب مطلع العام عقب خلافات حول ملفات سياسية وأمنية، وصفت الهجوم بأنه خروج واضح عن وعود الرئيس بإنهاء مشاركة واشنطن في الصراعات الخارجية. وقالت في حديث لبرنامج Meet the Press على شبكة “إن بي سي” إن العملية “تكرار لأسلوب واشنطن التقليدي الذي يخدم المصالح الكبرى للشركات والبنوك وقطاع النفط، أكثر مما يخدم المواطن الأميركي”.
ورغم تأكيدها أنها لا تدعم نظام مادورو، عبّرت غرين عن شكوكها في الرواية الرسمية التي ربطت العملية بمكافحة تهريب المخدرات والإرهاب، معتبرة أن العذر المعلن لا يبرر اللجوء إلى القوة العسكرية. وأضافت: “لو كانت الحرب على المخدرات هي الدافع الحقيقي، لكان الأجدر التركيز على العصابات المكسيكية لا على دول أخرى”.
هجوم مفاجئ وهزات في كراكاس
الهجوم، الذي وقع فجر الثالث من يناير 2026، استهدف مواقع عسكرية رئيسية في العاصمة الفنزويلية، منها مجمع فويرتي تيوّنا، أكبر قاعدة عسكرية في البلاد. وتحدثت تقارير عن أصوات انفجارات عنيفة وتحليق طائرات في سماء كراكاس، أعقبها تصاعد أعمدة الدخان من المباني المستهدفة.
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية التي تلت العملية حجم الدمار في المنشآت العسكرية، فيما أعلن ترامب لاحقاً أنه تمت السيطرة على مادورو واحتجازه، مشيداً بما وصفه بـ“نجاح العملية لحماية المصالح الأميركية”.
النفط في قلب الجدال
في مؤتمر صحفي لاحق، دافع الرئيس الأميركي عن قراره قائلاً إن الخطوة تأتي في إطار “حماية مصالح الطاقة والاستقرار الإقليمي”. وأضاف: “نحن محاطون بجيران نريدهم آمنين ومستقرين ومفعمين بالطاقة. فنزويلا تمتلك احتياطيات ضخمة، ومن واجبنا حمايتها لأنها مهمة لنا وللعالم بأسره”.
وتشير التقديرات إلى أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي من النفط الخام على مستوى العالم، لكن الشركات الأميركية مُنعت إلى حد كبير من العمل هناك منذ أن وضعت الحكومة الفنزويلية الصناعة تحت إدارة الدولة في منتصف السبعينيات. وتُعد “شيفرون” الشركة الأميركية الوحيدة التي تواصل نشاطها في البلاد حتى الآن.
وأوضح ترامب أن إعادة بناء البنية التحتية النفطية في فنزويلا ستكلّف “مليارات الدولارات”، لكنه أكد أن شركات النفط الأميركية هي من سيتحمل الكلفة مبدئياً على أن “تُعوض لاحقاً”.
تساؤلات قانونية وتشريعية
ولم تضع تصريحات ترامب حدّاً للانتقادات، إذ حذّر مشرّعون من الحزبين من تداعيات تدخل عسكري لم يحظَ بموافقة الكونغرس. وأشارت غرين إلى أن ما جرى يثير تساؤلات حول حدود صلاحيات الرئيس في إرسال قوات أو شن ضربات خارجية دون تفويض تشريعي. وقالت في هذا السياق: “فنزويلا ليست جارتنا، جيراننا الحقيقيون داخل الولايات الخمسين، لا في نصف الكرة الجنوبي”.
نهاية مرحلة سياسية
وكانت غرين قد أعلنت عزمها الاستقالة من الكونغرس في الخامس من يناير، بعد سلسلة من الخلافات الداخلية مع الإدارة بشأن ملفات متعددة، من بينها وثائق تتعلق بقضية جيفري إبستين، والغارات التي نُفذت ضد زوارق فنزويلية بزعم تهريب المخدرات.
وتعكس استقالتها، بحسب مراقبين، اتساع الشرخ داخل المؤسسة الجمهورية بين من يتمسكون بالخطاب الشعبوي المحافظ التقليدي، ومن يدعمون سياسة ترامب الخارجية الجديدة القائمة على المزج بين “الأمن القومي” و“الاستثمار في الطاقة”.
اقرأ أيضاً:










