وطن-في عالم يتزايد فيه الاضطراب السياسي والتقلبات الاقتصادية، يتحول الحصول على جنسية ثانية من ترفٍ محدود يقتصر على الأثرياء إلى رغبةٍ متنامية لدى شرائح واسعة من السكان حول العالم — من المشاهير إلى رجال الأعمال، مرورًا بعائلات تبحث عن استقرار أو حرية تنقل أوسع.
هكذا أنهى النجم الأميركي جورج كلوني عام 2025 بإضافة فصل جديد إلى حياته الخاصة؛ إذ منحت فرنسا له ولزوجته أمل علم الدين وأطفالهما الجنسية الفرنسية تقديرًا لدورهما الإنساني والثقافي. غير أن حلم “جواز السفر الثاني” لا يقتصر على أسماء لامعة؛ بل صار طموحًا عالميًا تتداخل فيه الدوافع السياسية والعاطفية والمالية.

ما وراء الحلم
اليوم أصبح الحق في العيش والعمل والدراسة بحرية في أكثر من بلد، والتنقّل دون قيود الحدود وجحافل الإجراءات مساراً يلقى رواجاً على نطاق واسع في العالم. مع العلم أن هذه الموجة تعكس تحولات عميقة في مفهوم الانتماء الوطني والهوية، لا سيما مع تشدد كثير من الدول الغربية — منذ عام 2025 — في منح الجنسية سواء عبر “النسب” أو “الاستثمار الذهبي” الذي كان بابًا للميسورين.
جنسية مزدوجة.. واقع يتسع
يصعب تحديد عدد حاملي أكثر من جنسية على مستوى العالم، إذ لا تلزم أغلب الدول مواطنيها بالإفصاح عن ذلك. غير أن المؤشرات واضحة: في بريطانيا مثلًا، أظهر إحصاء 2021 أن 2.1% من سكان إنجلترا وويلز يحملون أكثر من جواز، أي ضعف النسبة قبل عشر سنوات. وفي الولايات المتحدة، كشف استطلاع حديث أن 6% من الأميركيين يتمتعون بازدواج الجنسية.
ولم يعد الأمر حكرًا على المهاجرين الذين يرغبون في الحفاظ على جنسية بلادهم الأصلية بعد التجنّس، بل تحوّل أيضًا إلى وسيلة يعتمدها الأثرياء لتوسيع حركتهم الاقتصادية أو ضمان حرية السفر بجواز “سياسي محايد”، خاصة بعد تجربة قيود السفر خلال جائحة كورونا.

تحولات في الطلب والعرض
تُظهر بيانات شركات الاستشارات المتخصصة، مثل “هينلي آند بارتنرز”، أن عام 2025 شهد طفرة في طلب الأميركيين والبريطانيين على جنسية ثانية، بعدما كانت هذه البرامج حتى ما قبل الجائحة تتركز في الدول الناشئة غير المستقرة. أما اليوم، فتتصدر الولايات المتحدة والهند وتركيا والصين والمملكة المتحدة قائمة الجنسيات الأكثر سعيًا للحصول على جواز ثانٍ.
ويشرح الخبراء أن الدافع لم يعد فقط الانتقال الجغرافي، بل اقتناء “وثيقة أمان” تحمي أصحابها في أوقات الأزمات، سواء سياسية أو اقتصادية أو حتى بيئية.
طرق الحصول على الجنسية الأجنبية
تتعدد المسارات وفق القوانين، وأبرزها:
- عن طريق الأصل: أي إثبات نسب عائلي إلى دولة معينة، وهو نظام بدأت بعض الدول تضييقه، كما فعلت إيطاليا عام 2025 حين قصرت الاستحقاق على جيلين فقط.
- عن طريق التجنّس: بالإقامة النظامية لعدة سنوات مع استيفاء اختبارات اللغة والسلوك والمعرفة العامة.
- عن طريق الاستثمار: وهو المسار الأكثر جذبًا للأثرياء، إذ يسمح بالحصول على الجنسية مقابل ضخ استثمارات مباشرة.
لكن القارة الأوروبية تتجه إلى تقليص هذا الباب، بعد أن أوقفت مالطا برنامج “الجواز الذهبي” في 2025 بقرار من محكمة الاتحاد الأوروبي، ولحقت بها إسبانيا والمملكة المتحدة وأيرلندا وقبرص وبلغاريا. ومع ذلك، لا تزال دول الكاريبي مثل أنتيغوا وسانت كيتس وغرينادا تواصل العمل ببرامجها، مانحةً حامليها فرصة دخول مناطق واسعة بلا تأشيرة.
مزايا لا تُحصى
للحصول على جنسية إضافية فوائد عملية كثيرة، منها تسهيل الإقامة والعمل والدراسة في دول أخرى، وتوسيع فرص الاستثمار وحرية التملك، إضافة إلى شعور وجداني بالانتماء إلى الجذور العائلية أو الثقافية. كما تسهم الجاليات المتعددة الجنسية، مثل الإيطالية والإيرلندية، في بناء شبكات ارتباط بين الأوطان الأم ومجتمعاتها المنتشرة في العالم.
ولكن ليست بلا ثمن
رغم بريقها، قد تفرض الجنسية المزدوجة التزامات مالية أو قانونية مرهقة. فالولايات المتحدة وإريتريا تفرضان الضرائب على مواطنيهما أينما أقاموا، ما يعني أن بعض مزدوجي الجنسية يواجهون التزامات مزدوجة. وفي إيطاليا، جرى اقتراح فرض رسم سنوي على المقيمين في الخارج مقابل حقهم في الاستفادة من النظام الصحي.
أما الخدمة العسكرية فتمثل معضلة أخرى، إذ قد يجد من يحمل جنسيةً لبلدَين متنازعين نفسه في مواجهة قانونية أو أخلاقية معقدة، كما حدث لمواطني روسيا وأوكرانيا المقيمين في الخارج بعد اندلاع الحرب عام 2022.

جدل سياسي متجدد
في الولايات المتحدة، أثار مشروع قانون طرحه السيناتور الجمهوري برني مورينو، بعنوان “قانون الجنسية الحصرية”، جدلًا واسعًا عام 2025، إذ دعا إلى حظر ازدواج الجنسية على الأميركيين بدعوى الولاء الكامل للدولة. غير أن خبراء القانون، ومنهم البروفيسور بيتر سبايرو من جامعة تمبل، وصفوا المقترح بأنه رمزي وغير دستوري، مشيرين إلى أن أعدادًا كبيرة من الأميركيين — بمن فيهم عائلة الرئيس السابق دونالد ترامب — يحملون جنسية أخرى.
المثير أن استطلاعات الرأي أظهرت انقسامًا في المواقف؛ فبينما يرفض نحو نصف الأميركيين التخلي عن جنسية أصلية عند التجنّس، أعربت أغلبية عن تمسكها بجوازها الأميركي حتى لو حصلت على جنسية ثانية.
اتجاه عالمي نحو التشدد
في المقابل، تتسابق دول أوروبية إلى رفع شروط الحصول على الجنسية: السويد أعلنت نيتها تمديد مدة الإقامة المطلوبة من خمس إلى سبع سنوات، وبولندا من ثلاث إلى ثماني، فيما حاولت البرتغال مضاعفة فترة الإقامة قبل أن يردّ القضاء مشروعها.
وتخضع إيطاليا لجدل دستوري بعد مرسوم طارئ خفّض حق الانتساب بالدم إلى جيلين فقط، ما أثار اعتراض المحاكم بحجة المساس بالحقوق المكتسبة والمبادئ الدستورية.
ممرات استثنائية ومبادرات بيئية
بعض الدول الصغيرة تبحث عن سبل مبتكرة لجذب الاستثمارات. فقد أطلقت ناورو — ثالث أصغر جمهورية في العالم — برنامجًا للجنسية مقابل مساهمة لا تقل عن 105 آلاف دولار في صندوق مخصص لتعزيز قدرتها على مواجهة تغيّر المناخ، مع وعد بجواز يتيح دخول 85 دولة دون تأشيرة.
وفي المقابل، تتجه دول مثل الأرجنتين والسلفادور إلى تصميم برامج جديدة تربط بين الجنسية والاستثمار في قطاعات محددة كالمشروعات الرقمية و”البيتكوين”.

بين الهوية والفرصة
لا يمكن فصل الطموح بجواز ثانٍ عن الشعور العميق بعدم اليقين السائد في العالم. فبالنسبة للبعض، الجنسية الثانية ليست مشروع هجرة آنية، بل وسيلة تحوّط للمستقبل أو توسيع لخيارات الأبناء في العمل والتعليم.
يصف سبايرو الظاهرة بأنها “عصر جديد للانتماءات المتعددة”، فيما يعتبرها خبراء الهجرة “بوليصة تأمين” أمام اضطرابات المستقبل.
وفي عالم تتبدل فيه القوانين بسرعة، بات كثيرون يرون أن الوقت للعمل هو الآن — فشروط التأهل قد تتغير غدًا، وباب العالم المفتوح قد يضيق في أية لحظة.
في النهاية, لا تعتبر الجنسية المزدوجة مجرد جواز إضافي في حقيبة السفر؛ إنها قرار استراتيجي يتجاوز الحدود الورقية، يحمل في طياته معنى الأمان والانتماء والخيارات المفتوحة. ومن يفكر بها عليه أن يوازن بين الطموح والالتزامات، وأن يتذكر أن الهوية، في نهاية المطاف، لا تقاس بعدد الجوازات، بل بمقدار ما نحمله من قيم وذكريات وانتماء.
اقرأ أيضاً:










