واشنطن – وطن – شهد مبنى الكونغرس الأميركي مشهدًا غير مألوف حين انفجر وزير الدفاع بيت هيغسِث في وجه أحد الصحفيين، قاطعًا إحاطة كان يجريها وزير الخارجية ماركو روبيو حول العملية العسكرية التي أعلنت واشنطن نجاحها في إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. الحادثة، التي وقعت عقب اجتماع مغلق مع أعضاء مجلس الشيوخ، سلطت الضوء على توتر متصاعد داخل الإدارة الأميركية بشأن كلفة وتبعات التدخل في فنزويلا.
خلال المؤتمر الصحفي، حاول روبيو تهدئة التساؤلات حول مدى الأعباء المالية التي ستتحملها الخزانة الأميركية جراء العملية، مؤكدًا أن التدخل لن يكلف دافعي الضرائب “دولارًا واحدًا”، وأن السفن والقوات المشاركة هي جزء من انتشار أميركي قائم مسبقًا حول العالم. لكن تلك الإجابة لم تَردع أحد مراسلي شبكات الأخبار من توجيه سؤال إضافي عن التمويل وأهداف الوجود العسكري في منطقة البحر الكاريبي، وهو ما أثار غضب وزير الدفاع الذي كان يقف إلى جانب زميله.
وبوجهٍ متوتر وحركات حادة، تقدّم هيغسِث وأزاح روبيو جانبًا، ليوجه كلامه مباشرةً إلى الصحفي مانيو راجو من شبكة «سي إن إن»، متهمًا الإعلام بتضليل الرأي العام والتركيز على الكلفة المادية دون النظر إلى “أهمية المهمة التاريخية”. وقال بنبرة غاضبة إن أحدًا لا يسأل عن كلفة تحركات البحرية الأميركية في البحر الأبيض المتوسط أو المحيط الهادئ، لكن بمجرد أن تتخذ واشنطن خطوات في محيطها الإقليمي، تبدأ التساؤلات عن التكلفة، واصفًا ذلك بأنه “طرح غير نزيه من الأساس”.
وتابع هيغسِث هجومه قائلاً إن العملية في فنزويلا تُعد “واحدة من أبرز المهمات العسكرية في العصر الحديث”، مؤكدًا أن الولايات المتحدة وحدها كانت قادرة على تنفيذها، وأن العالم كله “يراقب الإنجاز”. كما تفاخر باحتجاز ناقلات نفط فنزويلية كانت، بحسب قوله، هدفًا لعمليات تضييق دولية تقودها واشنطن، معتبراً ذلك جزءًا من نجاح المهمة.

وفي المقابل، حافظ روبيو على نبرة أكثر حذرًا، موضحًا أن خطة الإدارة تجاه فنزويلا تقوم على ثلاث مراحل: أولها فرض “حجر اقتصادي” يتيح استخدام النفط كورقة ضغط، وثانيها ضمان حصول الشركات الأميركية على تعامل تجاري “عادل” مع السوق الفنزويلية، وثالثها تسهيل مرحلة الانتقال السياسي في البلاد. لكنه لم يحدد إطارًا زمنيًا لتلك الخطوات، مكتفيًا بالتأكيد أن الأموال الناتجة عن تصدير النفط ستستخدم “لدعم الشعب الفنزويلي بعيدًا عن الفساد والنظام السابق”.
غير أن ما جاء في الإحاطة لم يلقَ ترحيبًا من النواب الديمقراطيين، إذ اعتبر السيناتور كريس مورفي أن الخطة أشبه بـ”محاولة للاستيلاء على النفط الفنزويلي بالقوة تحت ذريعة إعادة الاستقرار”، محذرًا من أن الآثار السياسية والإنسانية ستكون “كارثية” على المدى الطويل.
وانتهى المؤتمر على مشهد فوضوي، حيث غادر الوزيران المكان متجاهلين أسئلة الصحفيين حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تخطط لنشر قوات على الأرض في فنزويلا. لكن الواقعة، وما تلاها من جدل، أكدت أن الصراع في فنزويلا لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل اختبارًا لمدى انسجام الفريق الأميركي الحاكم وقدرته على إدارة ملفات معقدة دون انقسام داخلي.
وفي ختام الحدث، بدا واضحًا أن ما جرى أمام الكاميرات لم يكن مجرد انفعال عارض، بل إشارة إلى احتدام النقاش داخل الإدارة حول حدود القوة الأميركية وأثمان استخدامها. وبين من يرى في العملية خطوة “حازمة لاستعادة النفوذ”، ومن يحذر من تحولها إلى عبء سياسي واقتصادي جديد، تبقى فنزويلا ساحة مفتوحة لاختبار موازين القوة والإرادة في المشهد الدولي.
اقرأ أيضاً:
اليوم الرابع بعد اختطاف مادورو: هدوء ثقيل وفنزويلا على حبلٍ مشدود









