وطن-رغم الإحساس العام بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة في سوق العمل، يبدو أن شغف الناس بالسفر لا ينتهي. فبحسب بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي، من المتوقع أن يحلّق أكثر من 5.2 مليارات مسافر عبر الأجواء خلال العام المقبل، بزيادة تقدر بـ 4.4% عن الأرقام القياسية المسجلة هذا العام.
السفر يعود إلى الصدارة
ويُرجع خبراء السفر هذه الزيادة إلى مزيج من العوامل المتقاطعة: انخفاض أسعار التذاكر، وتنوّع الوجهات، وعودة الحماس الجماعي لاكتشاف مناطق كانت خارج دائرة الضوء. تقول سارة كينيدي، المتخصصة في اتجاهات السفر في شركة “كاياك”، إن “البحث عن الرحلات يزداد، والتذاكر تتراجع أسعارها، ومعها ترتفع رغبة الناس في استكشاف العالم خارج حدود الولايات المتحدة”.
وجهات جديدة… وأعمار مرنة
في فيرجينيا، خططت السيدة ساندرا وارنر بانكر وزوجها لقضاء ثمانية أيام في مالطا ضمن برنامج تعليمي تنظمه مؤسسة “رود سكولار” غير الربحية، التي تستهدف في المقام الأول المسافرين المتقاعدين، بمتوسط عمر يبلغ 72 عامًا. هؤلاء يفضلون السفر في المواسم الهادئة للاستفادة من الأسعار المخفضة، وغالبًا ما يختارون وجهات غير مألوفة مثل أذربيجان أو الإكوادور أو حتى ولاية أوكلاهوما الأمريكية. وتقول بانكر: “نحن نحب الرحلات التي تتيح لنا التفاعل مع السكان المحليين وتعلّم عاداتهم بعيدًا عن الزحام السياحي”.
انخفاض أسعار الطيران يعيد الحماس
تُظهر بيانات “كاياك” أن أسعار الرحلات الدولية انخفضت هذا الصيف بما يتجاوز 10%، بينما تراجعت الداخلية بنسبة 3%. وتشير كينيدي إلى أن الرحلات بعيدة المدى إلى أوروبا وآسيا، والمقررة لصيف 2026، تشهد أدنى أسعارها منذ سنوات، ما يجعل العام القادم فرصة مثالية للسفر البعيد. بل إن تذاكر السفر إلى أوروبا أقل بنحو 14% مقارنة بصيف العام الماضي.
ومن الملاحظ أن شرق أوروبا يتصدر قائمة الوجهات الأسرع نموًا، إذ ضمت 7 مدن من أصل 10 في قائمة كاياك، مثل براغ، بودابست، كراكوف، صوفيا وسراييفو، التي شهدت انخفاضًا لافتًا في أسعار الرحلات الجوية بلغ 36% مقارنة بعام 2025.
الرياضة تحرك البوصلة
لم يعد المسافرون يخططون لرحلاتهم على ضوء الوجهة فحسب، بل وفق ما “يحدث هناك”، كما تؤكد كينيدي. وتشير إلى أن الفعاليات الكبرى أصبحت محركًا رئيسيًا للرغبة في السفر، “لأن الإحساس بأن الحدث لن يتكرر قريبًا يجعل الناس يتصرفون بسرعة”.
ووفقًا لخبيرة السفر في “إكسبيديا غروب”، ميلاني فيش، سيشهد العام المقبل “طفرة في سياحة الرياضة” بفضل موجة جديدة من الحماسة العالمية. نحو 60% من المسافرين يقولون إنهم قد يحضرون حدثًا رياضيًا خلال رحلاتهم، وترتفع النسبة إلى 70% بين جيل الألفية و”زد”.
وتتجه الأنظار إلى حدثين ضخمين في الأفق: الألعاب الأولمبية الشتوية 2026 في ميلانو وكورتينا دامبيتزو الإيطاليتين، تليها كأس العالم لكرة القدم التي ستُقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتنطلق في 11 يونيو وتنتهي في 19 يوليو بمباراة نهائية في ملعب “ميتلايف” بمدينة نيوجيرسي.
وتنصح فيش الراغبين في حضور هذه الفعاليات بمتابعة تنبيهات الأسعار، واختيار الباقات التي تجمع بين تذاكر الطيران والإقامة لتقليص النفقات، أو حتى الطيران إلى مدينة قريبة من الحدث واستكمال الرحلة برًا لتوفير المزيد.
سحر الشاشة يوجّه الرحلات
ويبدو أن السينما والتلفزيون يشكلان دافعًا جديدًا للسفر. فبحسب أبحاث “إكسبيديا”، أكثر من نصف المسافرين اليوم يخططون لرحلات مستوحاة من أفلام أو مسلسلات شاهدوها. من أبرز الوجهات: يوركشاير البريطانية التي صورت فيها أحدث نسخ مرتفعات ويذرنغ وداونتون آبي، وتوسكانا الإيطالية التي ظهرت في فيلم جاي كيلي الجديد من بطولة جورج كلوني وآدم ساندلر، إضافة إلى الساحل الدلماسي في كرواتيا الذي كان خلفية لفيلم “People We Meet on Vacation”، ومدينة دوبروفنيك التي أصبحت رمزًا لعالم “Game of Thrones”.
ويشهد أيضًا ما يسمى برحلات “القراءة والاسترخاء” رواجًا لافتًا، حيث يستأجر المسافرون بيوتًا خاصة مخصصة للقراءة والهدوء، مدعومين بموجة #BookTok المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي. بل إن أحد الخيارات المتاحة يتيح الإقامة في شقة ثلاثية الغرف فوق مكتبة “نانتاكت بوك ووركس” في قلب المدينة.
أميركيون في عرض البحر
في الولايات المتحدة، تستمر رحلات الكروز في تسجيل شعبية متصاعدة. فوفقًا لتقديرات “AAA”، سيشارك 21.7 مليون أمريكي في رحلات بحرية خلال عام 2026، مقارنة بـ 20.7 مليون هذا العام و14.2 مليون فقط عام 2019.
توضح ستايسي باربر، نائبة رئيس “AAA Travel”، أن ازدهار هذا النوع من السفر يعود إلى تحسينات التكنولوجيا في السفن والاستثمار في الموانئ، إضافة إلى تنوع البرامج القصيرة التي لا تتطلب أسبوعًا كاملًا. وتشير البيانات إلى أن الغالبية من الركاب تتجاوز أعمارهم 55 عامًا، وأن نحو نصفهم يسافرون كأزواج، في حين يحجز 20% رحلاتهم مع أطفالهم، و7% بمفردهم.
وتتصدر الكاريبي قائمة الوجهات البحرية المفضلة للأمريكيين، تليها ألاسكا بنسبة 7%، ثم البحر المتوسط بنسبة 5%. ولا يزال موانئ ميامي، فورت لودرديل، وبورت كانافيرال في فلوريدا الأكثر ازدحامًا عالميًا.
نصائح السفر الذكي
توصي الخبراء بترك مجال للمرونة في التخطيط:
- استخدم أدوات تتبع الأسعار عبر تطبيقات مثل “إكسبيديا”، “هوبر”، “كاياك”، أو “سكاي سكانر”.
- لا تحجز رحلتك قبل أكثر من ستة أشهر لتجنب الأسعار المرتفعة.
- اختر السفر في منتصف الأسبوع، غالبًا الثلاثاء أو الأربعاء، لتقليل التكلفة.
- احجز الرحلات الصباحية لتفادي التأخيرات الشائعة.
- وللمسافرين الدوليين، من المهم استخدام بطاقة مصرفية خالية من رسوم المعاملات الخارجية، وطلب الدفع بالعملة المحلية للحصول على أفضل سعر صرف.
بين حماس اكتشاف مدنٍ مجهولة، ومتابعة مباريات عالمية من المدرجات، وسحر الشاشة الذي يحوّل الخيال إلى التفكير في خطة سفر، يبدو أن العالم يستعيد إيقاعه القديم فيما يتعلق بالتحليق نحو وجهات جديدة. ورغم التحديات الاقتصادية، يبقى السفر وسيلة لإعادة التواصل مع الآخر، وإدراك أن الحدود الحقيقية غالبًا ما تعيش داخلنا.
قد يعجبك
سباق خفي بين الأثرياء بحثاً عن جواز سفر يمنحهم طوق نجاة جديد










