وطن-في عالمٍ تحكمه المظاهر وتغذّيه نزعة الاستهلاك، يختار بعض أكثر الأشخاص ثراءً على وجه الأرض طريقًا مغايرًا تمامًا. فبينما تبدو الأزياء الباهظة والعلامات الفاخرة رموزًا للنجاح في نظر كثيرين، يرى كبار رجال الأعمال أن البساطة والعملية أكثر نفعًا من الترف العابر.
الثراء لا يعني الإسراف
تُظهر تجارب عدد من المليارديرات المشهورين، من أمثال بيل غيتس ومارك زوكربيرغ ووورن بافيت والراحل ستيف جوبز، أن امتلاك المال لا يعني بالضرورة إنفاقه على المظاهر. فغيتس، على سبيل المثال، يُعرف بتفضيله ساعات «كاسيو» التي لا يتجاوز ثمنها مئة دولار، بينما يختار زوكربيرغ ملابس متشابهة من قطع أساسية بسيطة كي يُبقي قراراته اليومية في حدّها الأدنى، مخصصًا طاقته لما هو أهم: العمل والإبداع. أمّا جوبز، فقد اشتهر بإطلالته المتكررة ذاتها — القميص الأسود والسروال الجينز وحذاء «نيو بالانس» — التي أصبحت رمزًا للبساطة الوظيفية قبل أن تكون موضة.
دروس في إدارة المال والعمر الإنتاجي
تعكس هذه العادات قناعة راسخة لدى الأثرياء بأن المال مورد محدود مهما كَثُر، وأن الحفاظ عليه يحتاج إلى وعيٍ وانضباط. فشراء الملابس الفاخرة قد يوفّر لحظة من الرضا، لكنه لا يضيف شيئًا حقيقيًا إلى الإنجاز المهني أو النمو الشخصي. كثير منهم يفضّل توجيه إنفاقه نحو تجارب تثري الحياة، مثل السفر أو دعم المبادرات التعليمية والتقنية، لا إلى خزانة تزدحم بالماركات.
مفهوم البساطة المتكررة
يُجمع هؤلاء القادة على أن التكرار ليس افتقارًا إلى الذوق بل استراتيجية واعية لإدارة الحياة اليومية بذكاء. فالاعتماد على عدد محدود من القطع الجيدة والمريحة يوفّر الوقت، ويقلّل الهدر، ويُنمّي حسّ المسؤولية تجاه الاستهلاك. وقد تحوّل هذا النهج إلى ما يُشبه فلسفة في إدارة الذات والموارد، إذ يُعيد تعريف «الأناقة» باعتبارها انعكاسًا للتوازن الداخلي لا استعراضًا للمكانة.
رسالة تتجاوز حدود الثروة
يستخلص كل فرد من أن هذا السلوك لا يتعلق بالمليارات فحسب، بل بفكرة أن الوعي المالي يبدأ من القرارات الصغيرة. فاختيار قميص عملي بثمن مقبول ليس حرمانًا، بل نوع من احترام الجهد المبذول في كسب المال. والأهم أن إدراكنا أن الأشياء المادية، كالثياب، لا تدوم، يساعدنا على توجيه مواردنا نحو ما يبقى — كالمعرفة، والعلاقات، والعمل الجاد.
في النهاية، لا يُقاس النجاح بعدد ما نملك من المقتنيات، بل بكيفية تعاملنا مع ما لدينا. والبساطة التي يتبنّاها بعض أغنى رجال العالم تذكيرٌ لنا جميعًا بأن القيمة الحقيقية لا تُعلَّق على ياقة قميص، بل تُصاغ في أسلوب حياة متزنٍ يجعل من الوعي عادة، ومن القناعة رفاهية.
اقرأ المزيد
حين يتحول الشعور بالتجاهل في العمل إلى استبعاد يصعب ملاحظته
في زمن “الإعجاب” الرقمي… حين تتحول الحاجة إلى القبول إلى قيدٍ غير مرئي
حين يصبح الفندق بيتًا.. زوجان بريطانيان يعيشان في فندق طوال أكثر من عقدين










