وطن – لم يكن إعلان اتفاقيات أبراهام عام 2020 حدثًا دبلوماسيًا مفاجئًا كما صُوّر للرأي العام.
فخلف المصافحات الرسمية والبيانات اللامعة، كانت تمتد لسنوات شبكة علاقات سرية، مالية وأمنية وشخصية، نسجت خيوط التقارب بين تل أبيب وأبوظبي بعيدًا عن الأضواء.
والاسم الأكثر غرابة في هذه القصة ليس سياسيًا ولا جنرالًا…
بل جيفري إبستين — الملياردير الأميركي المدان بجرائم الاستغلال الجنسي – الذي تكشف مراسلاته الخاصة الآن أنه لعب دور «الوسيط غير الرسمي» بين النخب الإسرائيلية والإماراتية، وساهم في فتح قنوات الثقة التي انتهت لاحقًا باتفاقيات التطبيع العلنية.

هذا ما كشفه تحقيق استقصائي موسّع نشرته منصة Drop Site News استنادًا إلى مراسلات بريدية مسرّبة لإبستين، ورسائل من حساب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ووثائق حصلت عليها لجان رقابية في الكونغرس الأميركي.
القرن الأفريقي: بوابة التحالف الجديد
خلال العقد الأخير، اندفعت الإمارات لتتحول من دولة خليجية صغيرة إلى لاعب إقليمي واسع النفوذ، ممتد من الخليج إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
استثمرت في الموانئ، وأنشأت قواعد عسكرية، ودعمت حركات انفصالية في اليمن والصومال، وسعت للسيطرة على خطوط التجارة البحرية الاستراتيجية.
في ديسمبر 2025، كانت إسرائيل أول دولة تعترف بـ«جمهورية أرض الصومال» الانفصالية، في خطوة فجّرت غضب الصومال والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية.
وجاء الإعلان الإسرائيلي «بروح اتفاقيات أبراهام»، فيما كانت شركة DP World الإماراتية تدير ميناء بربرة في أرض الصومال وتضخ فيه مئات ملايين الدولارات.

في الوقت نفسه، بدأت إسرائيل ببناء منشآت عسكرية لحماية مصالح الشحن في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين.
وهكذا التقت المصالح:
إسرائيل تحتاج عمقًا لوجستيًا خارج باب المندب
والإمارات تحتاج مظلة أمنية وتكنولوجية إسرائيلية.
لكن هذه الشراكة لم تبدأ عام 2020… بل قبل ذلك بسنوات داخل قصور نيويورك وجزر الكاريبي.
الصديق الحميم: سلطان بن سليم وإبستين
يظهر اسم سلطان أحمد بن سليم — رئيس مجموعة موانئ دبي العالمية DP World — في قلب القصة.
الرجل أحد أقوى أذرع الاقتصاد الإماراتي، والمقرّب من العائلة الحاكمة في دبي.
وتكشف الرسائل المسرّبة أن علاقة شخصية وثيقة ربطته بجيفري إبستين منذ عام 2006 وحتى وفاة إبستين عام 2019.

في إحدى الرسائل، كتب إبستين لبن سليم:
«أنا سعيد بصداقتك… أنت الشخص الوحيد الذي قابلته بجنون مثلي.»
وفي رسالة أخرى، بعد محادثة ذات طابع فاضح بينهما، رد إبستين عليه قائلاً:
«Praise Allah, there are still people like you»
«الحمد لله ما زال هناك أشخاص مثلك».
لم تكن العلاقة اجتماعية فقط، بل شراكة في التفكير الاستراتيجي.
إبستين قدّم نفسه مستشارًا غير رسمي لبن سليم، ناقش معه خطط توسع موانئ دبي، استثمارات لوجستية، بل حتى قدّم ملاحظات تحريرية على كتاب حاكم دبي محمد بن راشد ليبدو أكثر قبولًا في الغرب.

فضيحة الموانئ الأميركية: الشرارة الأولى
عام 2006 حاولت DP World الاستحواذ على تشغيل ستة موانئ أميركية كبرى.
واجهت الصفقة رفضًا سياسيًا في واشنطن بدعوى الأمن القومي، واعتُبرت إهانة وطنية للإمارات.
بعدها تعهّد محمد بن زايد بألا تُفاجأ الإمارات مرة أخرى داخل واشنطن.
ومن هنا بدأ الاستثمار المكثف في شبكات النفوذ والعلاقات.
في هذا التوقيت بالضبط، ظهر إبستين كلاعب يفتح الأبواب المغلقة.

رتّب لقاءات لسلطان بن سليم مع شخصيات أميركية نافذة، وساعد في نسج علاقات مع مصرف JPMorgan، ومع سياسيين ورجال استخبارات سابقين.
الخط الإسرائيلي يدخل المشهد
بعد خروجه من سجنه الأول عام 2010، بدأ إبستين مرحلة جديدة:
ربط النخب الإماراتية بالإسرائيلية.
رسائل مسرّبة من بريد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك تظهر أن إبستين رتّب لقاءات مباشرة بين باراك وسلطان بن سليم منذ 2013.
كتب إبستين لباراك:
«أعتقد أنك يجب أن تلتقيه… إنه الذراع اليمنى لحاكم دبي.»
وكان الهدف واضحًا:
فتح أبواب الاستثمار الإسرائيلي في البنية اللوجستية الإماراتية،
وتقديم التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية لموانئ DP World.
Carbyne: الأمن السيبراني بوابة التطبيع
في 2018، أبلغ سلطان بن سليم إبستين أنه يعتزم الاستثمار في شركة إسرائيلية للأمن السيبراني تدعى Carbyne — أسسها ضباط سابقون في وحدة 8200 الاستخباراتية الإسرائيلية.
الشركة تطور تقنيات تتيح للأجهزة الأمنية سحب بيانات المواقع والبث الحي من الهواتف.
كتب بن سليم أنه يريد استخدامها في «Dubai 911» وتأمين الموانئ.

وبعد اتفاقيات أبراهام، ظهر رسميًا أن صناديق إماراتية استثمرت عشرات ملايين الدولارات في Carbyne، وأصبح سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة أحد المستثمرين فيها.
وما كان يُدار سرًا قبل 2020، خرج إلى العلن بعد التطبيع.
الطب الإسرائيلي… حتى للعائلة الحاكمة
لم تتوقف العلاقة عند الاقتصاد والأمن.
رسائل أخرى تكشف أن إبستين رتّب لأسرة سلطان بن سليم علاج ابنته في مستشفيات إسرائيلية متخصصة بالأعصاب، وأرسل له روابط أطباء إسرائيليين وعيادات متقدمة.
هكذا نشأت ثقة شخصية حساسة جدًا بين الطرفين —
ثقة تتجاوز السياسة إلى العائلة والطب والأمن.
إبستين… قبل أن يسقط
حتى أيامه الأخيرة قبل اعتقاله النهائي عام 2019، ظل إبستين حلقة وصل بين نخب الإمارات وإسرائيل.
بعد موته بعام واحد فقط، وُقّعت اتفاقيات أبراهام.
لم ير إبستين النتيجة النهائية لمشروعه،
لكن الشبكات التي بناها كانت قد اكتملت.
خلفية أقدم: دبي… مركز العبور العالمي
يربط التحقيق القصة بتاريخ أعمق:
منذ الثمانينيات تحولت دبي إلى مركز لعبور السلاح والماس والأموال عبر شبكات مصرفية غامضة مثل بنك BCCI الشهير، المرتبط بالاستخبارات الغربية والخليجية.
سلطان بن سليم كان مهندس بناء المنطقة الحرة بجبل علي — التي أصبحت لاحقًا مركزًا عالميًا للتهريب المشروع وغير المشروع.
ومن هذه البيئة خرجت الإمبراطورية اللوجستية التي أصبحت اليوم شريكًا لإسرائيل في البحر الأحمر.
من السر إلى العلن
بعد اتفاقيات أبراهام:
- تجارة إسرائيلية إماراتية تجاوزت مليار دولار سنويًا
- صفقات دفاعية بمليارات
- تعاون استخباراتي مفتوح
- قواعد إسرائيلية قرب البحر الأحمر
- استثمارات مشتركة في الموانئ والذكاء الاصطناعي
كل هذا لم يولد فجأة.
بل نبت من شبكات علاقات بدأت في غرف مظلمة، على شواطئ خاصة، عبر رسائل بريدية غير خاضعة للرقابة.
إنه رجل الظل الذي مهّد الطريق
يكشف تحقيق Drop Site News — كما يورد موقع Middle East Eye — أن جيفري إبستين لم يكن مجرد مجرم منحرف، بل وسيط نفوذ دولي لعب دورًا حقيقيًا في إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية.
اليوم، حين نرى:
- إسرائيل في موانئ البحر الأحمر
- الإمارات في القرن الأفريقي
- تعاون استخباراتي علني
- تحالفات ضد خصوم المنطقة
نجد أن جذور هذه الشراكة زُرعت قبل عقدين،
في رسائل تبدأ بـ«Praise Allah»
وتنتهي باتفاقيات تطبيع غيّرت الشرق الأوسط.
اقرأ أيضاً:










