وطن-يبدو أن مفتاح الحياة الطويلة والصحية لا يكمن في حلول طبية معقدة، بل ربما في الأطعمة اليومية التي تقدم خلال اليوم. فبينما يعكف العلماء حول العالم على دراسة أسباب طول العمر وجودة الحياة، تشير الملاحظات المتكرّرة إلى أن السرّ الحقيقي قد يكون في عاداته الغذائية البسيطة، المعتمدة على مكونات طبيعية ومتوازنة.
في مناطق محددة من العالم تُعرف بـ”المناطق الزرقاء”، يعيش عدد مدهش من الأشخاص الذين تجاوزوا المئة عام، يتمتع معظمهم بصحة جيدة ونشاط لافت مقارنة بمتوسط الأعمار العالمي. هذه المناطق، التي تضم أوكيناوا في اليابان، سردينيا في إيطاليا، إيكاريا في اليونان، نيكويا في كوستاريكا، ومدينة لُوما ليندا في كاليفورنيا، أصبحت مختبرات طبيعية لدراسة العوامل التي تُمكّن الإنسان من التقدّم في السن دون فقدان حيويته.
أسلوب حياة بسيط وغذاء يعتمد على النبات
لا يتميّز سكان هذه المناطق بنظامٍ معقّد أو نشاطٍ بدنيّ قاسٍ، بل يتبعون نمط حياة متوازن يجمع بين الحركة اليومية، الروابط الاجتماعية الوثيقة، وانخفاض مستويات التوتر. غير أنّ العامل الأبرز المشترك بينهم هو نظامهم الغذائي الذي يُبنى أساسًا على أطعمة نباتية، مع اعتماد محدود جدًا على اللحوم والمنتجات الحيوانية.
“البقوليات” في صدارة غذاء المعمّرين
تُجمع الدراسات الحديثة، كما أوضحت خبيرة التغذية “آمي ديفيس” في حديثها ضمن سلسلة وثائقية متخصصة في هذا المجال، على أن البقوليات هي أحد الأسرار الكبرى لطول العمر. هذا الصنف البسيط من الأغذية، الذي يشمل الفاصوليا، العدس، الحمص والبازلاء المجففة، يشكّل جزءًا أساسيًا في النظام الغذائي لسكان المناطق الزرقاء.
تتميز البقوليات بتركيبة غذائية فريدة: فهي غنية بالألياف التي تساهم في تحسين عمل الجهاز الهضمي، وتعزّز الإحساس بالشبع، وتغذي البكتيريا النافعة في الأمعاء. كما أنها مصدر ممتاز للبروتين النباتي الضروري للحفاظ على الكتلة العضلية مع التقدم في العمر.
ويُضاف إلى ذلك دورها الحيوي في استقرار مستويات السكر في الدم، إذ تمتاز بمؤشرٍ جلايسيمي منخفض يمنع الارتفاع المفاجئ في الجلوكوز، مما يقلل مخاطر الإصابة بالسكري ومضاعفاته على المدى الطويل. وعندما تُتناول البقوليات إلى جانب الحبوب الكاملة وخبز القمح الكامل المُخمّر طبيعيًا، كما هو شائع في هذه المناطق، فإنها توفر طاقة ثابتة وتزيد من امتصاص الحديد والمغنيسيوم والزنك وفيتامينات “ب”.
نموذج أوكيناوا: الغذاء كدرع ضد الشيخوخة
إلى جانب البقوليات، يعتمد سكان أوكيناوا اليابانية على البطاطا الحلوة البنفسجية كأحد المكونات التقليدية في غذائهم اليومي. تحتوي هذه الثمرة على مركبات “الأنثوسيانين” ذات اللون الأرجواني الطبيعي، المعروفة بقدرتها العالية على مقاومة الأكسدة ومحاربة التلف الخلوي الناجم عن التقدم في السن. هذا المزيج من المواد النباتية الغنية والألوان الطبيعية يعكس فلسفة “الأكل البسيط الذكي” التي يتبعها المعمرون: أطعمة طازجة، موسمية، غير مصنّعة، ومتنوعة.
نصيحة يمكن تطبيقها في كل بيت
اللافت في تجربة هؤلاء ليس ندرة مكوّناتهم، بل بساطتها وسهولة الوصول إليها. فتبنّي عادات غذائية مماثلة لا يتطلّب العيش في أوكيناوا أو سردينيا؛ إذ يمكن لأي شخص أن يبدأ بخطوات صغيرة، مثل إدخال البقوليات إلى وجباته اليومية سواء عبر الحساء أو السلطات أو أطباق الحمص والعدس.
وفي وقت تتزايد فيه أمراض العصر الناتجة عن أنماط الحياة السريعة والوجبات الصناعية، يقدم العلم دليلًا واضحًا: العودة إلى البقوليات قد تكون أحد أسرار العمر الطويل والصحة المستقرة. إنها عادة غذائية توارثها الأجداد واحتفظ بها المعمرون… وسرّ يستحق أن نعيد اكتشافه اليوم.
اقرأ المزيد
رحيل معمّر سعودي يثير الجدل حول حدود العمر الذي يمكن أن يبلغه الإنسان












