وطن-في عالم تتسارع فيه إيقاعات الاقتصاد وتتغيّر فيه مفاهيم الثروة الشخصية، باتت إدارة المال علمًا قائمًا على التخطيط والاستشراف أكثر من كونها مجرد مهارة ادخار أو استثمار. ويبرز في هذا السياق دور المخطّط المالي بوصفه شريكًا يرافق الفرد في رحلته المالية، سواء أكان يخطط للتقاعد أم يسعى لبناء ثروة مستدامة للأجيال القادمة.
من الاستقرار إلى الثراء: متى تبدأ الحاجة إلى تخطيط مالي متخصص؟
يلجأ كثير من الأشخاص إلى التخطيط المالي بعد أن تتجاوز مدخراتهم حدودًا معينة – كأن تبلغ 50 ألف دولار – حرصًا على تنظيم الأهداف المالية ومراقبة الاستثمارات. لكن مع تضاعف الثروة واتساع محفظة الأصول، تتغير طبيعة الاحتياجات وتنشأ الحاجة إلى استشارات مالية أكثر تخصصًا، خصوصًا عند بلوغ مرحلة تُعرف في الأوساط المالية بمسمى “ذوي الثروات العالية”.
تعريف الثروة العالية وأبعادها
يُعرَّف الفرد ذو الثروة العالية بأنه الشخص الذي يمتلك أكثر من مليون دولار من الأصول السائلة بعد خصم الديون والالتزامات. ويتميز هؤلاء بامتلاكهم نسبة كبيرة من أموالهم في صورة نقدية أو استثمارات مالية قابلة للتحويل السريع، على عكس من تتركز ثروتهم في أصول غير سائلة مثل العقارات أو ملكية الشركات.
وتشير دراسات إلى أن متوسط مدخرات التقاعد لدى أصحاب الثروات العالية يبلغ نحو 605 آلاف دولار، ما يعكس مستويات مختلفة من الأمان المالي والتخطيط البعيد المدى. ومع ارتفاع هذا المستوى من الثراء، يصبح المشهد المالي أكثر تعقيدًا، خاصة فيما يتعلق بإدارة الضرائب والمخاطر، مما يجعل الاستعانة بمستشارين متخصصين ضرورة لا ترفًا.
ما الذي يتغيّر في التخطيط المالي عند ارتفاع الثروة؟
في المراحل الأولى، تركز الخطط المالية عادة على الموازنة بين الدخل والنفقات، ووضع استراتيجيات ادخار واستثمار تحقق أهدافًا قصيرة أو متوسطة المدى. أما في حالة أصحاب الثروات العالية، فإن الهدف يتجاوز إدارة المال إلى تعظيمه وحمايته.
هذا ويتناول التخطيط لهذه الفئة أساليب متقدمة مثل “تحصيل خسائر الضرائب”، وهي إستراتيجية تعتمد على بيع بعض الأوراق المالية بخسارة لتعويض المكاسب الرأسمالية وخفض العبء الضريبي. كذلك، يوصي المخططون الماليون لهذه الفئة بتنوّع استثماري يتخطى الأدوات التقليدية ليشمل قطاعات مثل الأسهم الخاصة والعقارات وصناديق التحوط وغيرها من الاستثمارات البديلة، التي تتطلب متابعة دقيقة وإدارة مهنية مستمرة.
التخطيط للإرث والمسؤولية الاجتماعية
لا يقتصر اهتمام أصحاب الثروات العالية على النمو المالي فحسب، بل يمتد إلى ضمان انتقال الثروة إلى الجيل التالي بطريقة منظمة وفعّالة ضريبيًا. وهنا يبرز ما يُعرف بـ “تخطيط الإرث”، الذي يساعد في اختيار أدوات مالية مثل الصناديق الوقفية أو التأمين على الحياة لتحقيق هذا الهدف.
كما يشكّل العمل الخيري محورًا أساسيًا في إدارة الثروة لدى هذه الفئة. وبحسب دراسة أجراها “بنك أوف أميركا”، فإن 81% من الأسر الثرية تبرعت للأعمال الخيرية في عام 2024. ويمكن للمخططين الماليين المتخصصين أن يضعوا هيكلاً لهذه المساهمات بما يضمن أقصى فائدة ضريبية ويحقق الأثر الاجتماعي المرجو.
ختامًا، لا شكّ في أن إدارة الثروة ليست مجرد سلسلة من القرارات الاستثمارية، بل رؤية متكاملة تحافظ على المال وتُحسن استخدامه لخدمة حياة أكثر استقرارًا وفاعلية. ومع تنامي أهمية الاستشارات المالية المتخصصة، يصبح الوعي بدور المخطّط المالي خطوة أولى نحو تحقيق توازن حقيقي بين الطموح الاقتصادي والمسؤولية الاجتماعية.
اقرأ أيضًا
بين الجاذبية والمخاطرة: لماذا تبقى العملات الرقمية رهينة التقلبات؟
الأسواق المالية تخضع لقانون عالمي موحد: دراسة يابانية تكشف أساساً مشتركاً وراء حركة الأسعار










