وطن-أصبح ضعف إدارة تقدير الذات أحد أبرز التحديات النفسية في العصر الرقمي، حيث تتشابك المقارنات اليومية والتطلعات غير الواقعية مع ضغوط الحياة الحديثة، مخلّفة آثارًا ملموسة على الصحة النفسية والجسدية. علماء النفس يحذرون من أن الشعور الدائم بعدم الرضا عن النفس ليس مسألة مزاجية عابرة، بل حالة تستنزف الطاقة الذهنية وتفتح الباب أمام القلق والاكتئاب والإرهاق النفسي.
من أين يبدأ الخلل؟
يؤكد الخبراء أن مراجعة الإنسان لمسار حياته أمر صحي بطبيعته؛ فهي تتيح له تقييم تجربته وتحديد أهدافه المستقبلية. لكن المشكلة تنشأ حين يتحول هذا التقييم إلى محاكمة قاسية للذات. فحين يرى الفرد نفسه أقل من الآخرين، أو يحمّل ذاته مسؤولية دائمة عن كل إخفاق، يصبح في دوامة يصعب الخروج منها.
تصف عالمة النفس سيلفينا بيريس زامبون هذه الحالة بقولها إن “المقارنة المستمرة مع الآخرين تعزز الإحساس بعدم الكفاية، وتجعل الشخص يعيش شعورًا مزمنًا بأنه لا يرقى لما ينبغي أن يكون عليه”.
المقارنة في عصر الشاشات
من الناحية العلمية، للمقارنة الاجتماعية جذور تطورية قديمة؛ فهي ساعدت الإنسان تاريخيًا على التعلم والتكيف الاجتماعي. إلا أن بيئة التواصل الحديثة، وخاصة منصات التواصل الاجتماعي، جعلت المقارنة عملية مستمرة ومضلّلة في آن واحد، إذ تقدّم صورًا منتقاة ومثالية للآخرين يصعب مطابقتها مع الواقع.
دراسات أجرتها جامعتا أوهايو وتوليدو في الولايات المتحدة أظهرت أن الأشخاص الأكثر انخراطًا في المقارنات عبر الشبكات الرقمية يعانون من تراجع واضح في مستوى تقدير الذات وصورة الجسد.
لكن علماء النفس يحذرون من المبالغة في التعميم؛ فالارتباط بين استخدام وسائل التواصل وتراجع الصحة النفسية وإن كان مثبتًا، إلا أنه “ضعيف نسبيًا” وفق تأكيد الخبير النفسي كيكي إسناؤولا من مبادرة صحة نفسية 360، الذي يشدد على أهمية النظر إلى طبيعة الاستخدام أكثر من كميته.
فخّ “لا شيء يكفي”
يرى المختصون أن الخطر لا يكمن في المقارنة بحدّ ذاتها، بل في الرسالة الخفية التي يحملها التقييم الذاتي المستمر: “ما أفعله ليس كافيًا”. هذا الإحساس يولّد، بحسب زامبون، حالة من التوتر والإنهاك الذهني المستمر حتى لدى من تبدو حياتهم مستقرة من الخارج.
وتوضح أن السبب يعود إلى ما يُعرف بـ”التكيف المتسارع مع الإنجاز”، أي أن الإنسان يعتاد بسرعة على النجاح فيفقد القدرة على تقديره. فيسعى دومًا إلى بلوغ الكمال، وهو هدف يستنزف الطاقة دون نهاية.
الطبيب النفسي أنخيل رويّ وصف هذه الحلقة بقوله إن “السعي إلى الكمال مجرد وهم بالتحكم”، إذ يسعى الأشخاص المفرطون في المثالية إلى الحد من القلق عبر إتقان كل شيء، غير أن الكمال يظل في نظرهم هدفًا بعيد المنال.
حلول واقعية تغير المسار
لا يقتصر التعامل مع المشكلة على الابتعاد عن وسائل التواصل فحسب. دراسة أجرتها جامعة غنت البلجيكية عام 2025 وجدت أن التوقف المؤقت عن استخدام الشبكات لم يؤدِّ إلى تحسن كبير في الشعور بالسعادة أو تقليل الوحدة، ما دام نمط التفكير القائم على المقارنة لم يتغير. فالتعديل الحقيقي يبدأ من الداخل.
علم النفس يقترح ثلاث ممارسات أساسية أثبتت فعاليتها عند المواظبة عليها:
- إعادة توجيه الانتباه: راقب تأثير المحتوى الذي تتابعه، وحدد ما يثير فيك الشعور بالنقص. تقليل متابعة بعض الحسابات أو وضع حدود زمنية قد يقلل من وطأة المقارنة دون الحاجة للانقطاع الكامل.
- التركيز على الجهد لا النتيجة: بدل سؤال نفسك “هل أنا متأخر عن الآخرين؟”، جرّب أن تسأل “هل ما أفعله يقربني من الشخص الذي أطمح أن أكونه؟”. تؤكد زامبون أن الأهداف الداخلية المرتبطة بالنمو والتعلم تمنح شعورًا أعمق بالرضا من الأهداف القائمة على المقارنة.
- ممارسة اللطف مع الذات: الأخصائية الأمريكية كريستين نِف تدعو إلى معاملة أنفسنا بالقدر نفسه من الرحمة والدعم الذي نظهره لأصدقائنا، وهي مهارة نفسية تُعرف باسم “التعاطف الذاتي”.
دروس من الحياة
تذكّرنا حالات كثيرة بأن الصحة النفسية ليست حكرًا على من يعانون في الخفاء. فحتى الشخصيات العامة التي تبدو ناجحة دائمًا قد تحتاج إلى التوقف لإعادة التوازن. الإعلامي الإسباني أندريو بوينافوينتي مثلًا أعلن قبل فترة توقفه لأسباب تتعلق بصحته النفسية، في خطوة حظيت بتقدير واسع بوصفها نموذجًا للشجاعة الإنسانية.
في عالم تتسارع فيه الإيقاعات وتزداد فيه المقارنات، يصبح الرفق بالنفس فضيلة ضرورية، لا ترفًا. فتعلم تقدير الذات ليس مجرد شعار للتحفيز، بل شرط أساسي لصحة عقلية مستقرة وحياة أكثر اتزانًا. التحدي الحقيقي يبدأ حين نُبدّل صوت النقد الداخلي بصوت الفهم والتقدير، ونقبل أن النمو لا يعني الكمال، بل الاتساق مع ذواتنا في رحلتها المستمرة نحو الأفضل.
اقرأ المزيد
عبارة واحدة يخفي بها المراهق صرخته طلبًا للمساعدة
الذكاء الاصطناعي كرفيق عاطفي… ظاهرة تتسع بين المراهقين
زرع مهارة التفكير النقدي في عقول الأطفال: مسؤولية تبدأ بين جدران المنزل










