وطن-في بيئة العمل الحديثة، قد يجد البعض أنفسهم في حيرة أمام مشهدٍ مألوف: زميل لا يتمتع بالكفاءة اللازمة يحقق نجاحًا لافتًا، بينما يبقى الأكثر اجتهادًا وتفانيًا في الظل. مشهد يثير التساؤل حول معايير التقدير والمكافأة داخل المؤسسات، ويكشف، وفق رؤية علم النفس، عن ظواهر اجتماعية وسلوكية أكثر عمقًا مما يبدو على السطح.
في هذا السياق، توضح الأخصائية النفسية والمعالجة النفسية كلير بوتان أن “الحقيقة القاسية هي أن النجاح المهني لا يعتمد دائمًا على الكفاءة وحدها، بل يتأثر أيضًا بقدرة الشخص على الترويج لذاته وإثارة الانطباعات الصحيحة لدى الآخرين”. وتستعرض الأخصائية خمس آليات شائعة تفسّر كيف يتمكّن بعض غير المؤهلين من التقدّم في العمل على حساب زملائهم الأكفأ.
وهم المهارة يبدأ من القدرة على الترويج الذاتي
غالبًا ما يمتلك الأشخاص محدودو الكفاءة مهارة عالية في تسويق أنفسهم. فهم لا يركّزون على جودة ما يُنجزونه بقدر تركيزهم على الحديث عنه بكل ثقة ووضوح، ما يمنحهم هالة من الإنجاز الوهمي. في المقابل، يعتمد أصحاب الكفاءة على إنجازاتهم لتتحدث عنهم، فيصمتون حين يتحدث الآخرون كثيرًا. تقول بوتان إن “النتيجة تكون غالبًا لصالح من يجيد الخطاب وليس من يتقن الفعل”.
الثقة المفرطة… حين يتحوّل الجهل إلى يقين
تربط الأخصائية هذه السلوكيات بما يُعرف في علم النفس بـ”تأثير داننغ-كروغر”، أي ميل الأشخاص محدودي المعرفة إلى المبالغة في تقدير قدراتهم. وبحسب بوتان، فإن “من يجهل جوانب الضعف في أدائه غالبًا ما يبدو أكثر ثقة من المتخصص الحقيقي الذي يدرك تعقيدات عمله ويحتفظ بقدر من الشك”. وهكذا، تُترجم الثقة الخارجية إلى نفوذٍ مهني، ولو لم يكن في محلّه.
الرأي في كل شيء… وتضليل الجماعة
من سمات هؤلاء أيضًا ميلهم إلى إبداء الرأي في مواضيع لا يتقنونها، في ما يُعرف بـ”الافتراض المعرفي الزائد” أو “الادعاء المعرفي”. فخلال جائحة «كوفيد-19» مثلاً، انتشر هذا السلوك على نطاق واسع مع ظهور ما سمّتهم بوتان بـ”الخبراء الافتراضيين”، الذين قدّموا أنفسهم بجرأة كمصدر للمعلومة رغم انعدام خبرتهم. هذا الظهور الدائم يمنح المتحدثين انطباعًا بالقوة والسيطرة، ولو كان كلامهم مجرّد ضوضاء.
تهرّب محسوب تحت عنوان «الدهاء»
في سبيل البقاء بعيدين عن الأضواء السلبية، قد يتجنّب بعض الموظفين غير الأكفاء المهام الصعبة عمدًا. هذا الأسلوب يُعرف بـ”الإدارة الاستراتيجية للعجز”، أي إظهار الجهل لتجنّب المسؤوليات الثقيلة. ونتيجة لذلك، يتوزع العمل الزائد على الأكفأ والأكثر التزامًا، الذين يجدون أنفسهم مثقلين بالأعباء، معرضين في النهاية للإرهاق المهني أو ما يُعرف بالـ«احتراق الوظيفي». irony؟ في كثير من الأحيان يُنظر إلى هؤلاء المرهقين باعتبارهم أقل كفاءة أو ضعفًا في التحمّل.
تضامن غير الكفوئين… شبكة مغلقة
وتختم بوتان تحليلها بالإشارة إلى ظاهرة تصفها بـ”الكاكستوقراطية”، أي نظامٍ تميل فيه المناصب للذهاب إلى غير الأكفاء. فبمجرد أن يتبوأ أحدهم موقعًا قياديًا، يميل إلى إحاطة نفسه بأشخاص يشبهونه في السلوك لا في المهارة، الأمر الذي يُرسّخ ثقافة الت mediocrity ويُضعف معايير الترقي المبنية على الجدارة.
كيف نكسر هذه الدائرة؟
من جانبها، توصي الأخصائية العاملين الأكفاء بألا يكتفوا بالاعتماد على جودة عملهم فحسب، بل أن يتعلموا تقديم أنفسهم وإبراز إنجازاتهم بذكاء وثقة:
“لا تقللوا من قيمة ما تفعلونه، فالكفاءة الحقيقية لا تُغني عن الظهور الإيجابي. تحدثوا عن نجاحاتكم، واحتلوا المساحة التي تستحقونها.”
وفي نهاية المطاف، تبقى الرسالة الأهم أن بيئة العمل العادلة لا تُبنى على الصدفة أو الكاريزما وحدها، بل على وعي الأفراد بحقهم في التقدير المستحق، وإدراك المؤسسات أن الكفاءة حين تُهمل، فإنها تفرّغ النجاح الجماعي من معناه الحقيقي.
اقرأ المزيد
رحلة تقدير الذات: كيف يؤثر سوء التعامل مع النفس في صحتنا العقلية؟
تريد العيش لفترة أطول؟ العلم يكشف عن “ميزة شخصية” تزيد من طول العمر.
ليست مجرد صدفة.. علامة بسيطة في سلوكك اليومي تثبت أنك تمتلك ذكاءً خارقاً!










