وطن – في الخليج، غالبًا ما يبدأ العهد الجديد بضجيجٍ أكبر من الإنجاز: مشاريع استعراضية، حفلات تدشين، لقطات مصقولة تسابق الكاميرا قبل أن تسابق الواقع. لكن بوبي غوش—المحلل الجيوسياسي الذي عمل سابقًا في «تايم» و«بلومبرغ»—يكتب في مقال رأي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأميركية أن ما حدث في عُمان خلال السنوات الأخيرة قدّم نموذجًا مختلفًا تمامًا: حاكم لا يحب البريق… بقدر ما يحب دفتر الحسابات.
يستهل غوش حكايته بعودةٍ إلى يناير/كانون الثاني قبل ست سنوات: لحظة انتقال حكم كانت تبدو، وفق وصفه، أقرب إلى تسلّم سفينة وسط عاصفة مكتملة العناصر. السلطان قابوس بن سعيد، الحاكم المحبوب لما يقرب من نصف قرن، توفي لتوّه. أسعار النفط انهارت. جائحة كوفيد-19 كانت على وشك إغلاق العالم. ودين السلطنة كان يتصاعد بسرعة ليلامس—كما يورد غوش—قرابة 70% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الوقت نفسه كانت وكالات التصنيف قد خفّضت بالفعل تصنيف عُمان إلى مستوى السندات الرديئة، بينما توقّع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 10%، في ما اعتبره الكاتب أسوأ انكماش في منطقة الخليج.
يقول غوش: كان ذلك “أسوأ توقيت ممكن” لتسلّم السلطة في دولة ريعية نفطية. ومع ذلك، يضيف أن الصورة بعد ست سنوات تبدو مختلفة تمامًا، وعُمان اليوم تُحيي الذكرى السادسة لتولي السلطان هيثم بن طارق الحكم وسط أرقامٍ جديدة تُستخدم عادةً في نشرات الإنجاز لا في دفاتر المخاوف.
يلاحظ كاتب «فورين بوليسي» أن كثيرًا من الملوك الجدد في الشرق الأوسط يميلون إلى الاحتفال باعتلائهم العرش عبر إنفاق ضخم على مشاريع استعراضية “سواء امتلكوا القدرة المالية على ذلك أم لا”. لكنه يضع هيثم في خانة استثناء “نادر”: خفّض الإنفاق بدل توسيعه، وبدأ بتصحيح المسار بدل تجميل الصورة.
ويورد غوش حزمة أرقام بوصفها دليلًا على أن “المقاربة الهادئة” أتت ثمارها: تراجع الدين العام إلى 34% من الناتج المحلي الإجمالي، وعادت التصنيفات الائتمانية إلى مستوى الدرجة الاستثمارية، وقفز الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 121% بحلول عام 2023، وتحول العجز المالي إلى فائض. ثم يذهب الكاتب إلى أبعد من ميزانية السنة: إذ يشير إلى أن عُمان باتت تضع نفسها في موقع “الريادة العالمية” في مجال الهيدروجين الأخضر، ذلك المصدر الذي قد يرسم ملامح القرن المقبل للطاقة.
هنا يقدّم غوش خلاصة ذات دلالة: إنها قصة “حوكمة كفؤة” في زمن تتقدم فيه الاستعراضات على الكفاءة في الخليج. بل إن عُمان—بحسب تعبيره—أثبتت أمرًا قد يكون أكثر قيمة من المال نفسه: أن الإدارة الهادئة ذات الطابع التكنوقراطي قادرة على انتشال بلد من الأزمة إلى الاستقرار خلال خمس سنوات فقط.
ولكي يبرز المفارقة، يقارن الكاتب- بصيغة لا تخلو من سخرية مبطنة- بين نموذج مسقط ونماذج أخرى في الإقليم: “بينما تبني السعودية مدن مرايا في الصحراء، وتسابق الإمارات الزمن للوصول إلى المريخ”، كانت عُمان تشتغل على شيء أقل لمعانًا وأكثر إلحاحًا: إنقاذ بيتها من الانهيار.
لكن القصة، كما يرسمها غوش، لا تتوقف عند الأرقام، بل عند “الفارق في الشخصية” بين عهدين: قابوس ووريثه. يقول الكاتب إن هيثم لم يرث كاريزما سلفه، ولا يدّعي ذلك. قابوس كان في نظره “فيلسوفًا ملكًا”؛ راعيًا مثقفًا للفنون، غامض الحضور، أسس أوركسترات سيمفونية وكتب الشعر، وكان أطول حكام العالم العربي بقاءً في الحكم، وكانت علاقاته الشخصية حجر الأساس في دور عُمان كوسيط لا غنى عنه في الخليج. كان قابوس، كما يكتب غوش، قادرًا على رفع سماعة الهاتف والتحدث إلى أي طرف من طهران إلى واشنطن… “وكان كلا الطرفين يصغيان إليه”.
أما هيثم- بحسب المقال- فينتمي إلى مدرسة مختلفة تمامًا: هو “مدير” بالدرجة الأولى، بينما كان قابوس “دبلوماسيًا–فنانًا”. خبرته ترتبط بصون التراث والتخطيط البيروقراطي؛ إذ أمضى 18 عامًا على رأس وزارة التراث والثقافة، والأهم أنه ترأس اللجنة التي صاغت “رؤية عُمان 2040”. وبعبارةٍ لافتة يوردها غوش: هيثم “يفهم جداول البيانات أكثر مما يفهم السيمفونيات”.
ويرى الكاتب أن هذا الاختلاف في الأسلوب كان على نحو متناقض، بالضبط ما كانت عُمان بحاجة إليه. فالرؤية الدبلوماسية الكبرى لقابوس كانت جديرة بالإعجاب، غير أن الإدارة الاقتصادية اتسمت- كما يقول غوش- بالتراخي. ويذكّر بأن عُمان واصلت تسجيل عجز مالي “حتى خلال طفرة النفط في العقد الأول من الألفية الجديدة”.
حين تولى هيثم السلطة، يصف غوش المشهد كأنه خياران لا ثالث لهما: إما الاستمرار في النهج القديم ومشاهدة البلاد تنزلق نحو الانهيار، أو فرض انضباط مالي سيكون “غير شعبي على نحو عميق”. ووفق المقال، اختار هيثم الانضباط.
خلال أشهر قليلة، يذكر غوش أن السلطان أمر الهيئات الحكومية بإنهاء 70% من عقود الخبراء الأجانب، وإحالة 70% من المسؤولين القدامى إلى التقاعد. ثم أطلق خطة مالية متوسطة الأجل هدفت فعليًا إلى كبح الإنفاق—وهو مفهوم يصفه الكاتب بأنه “راديكالي” في منطقة اعتادت إنفاق عائدات النفط بالسرعة نفسها التي تتدفق بها.
ولم يتوقف الأمر عند ضبط النفقات، بل اتجه إلى قرارات ضريبية يصفها غوش بأنها عالية المخاطر سياسيًا في دول يقوم عقدها الاجتماعي على تدفق الثروة النفطية إلى المواطنين لا تدفق الضرائب منهم إلى الدولة. يذكر المقال إقرار ضريبة القيمة المضافة، ثم خطوة أكثر جرأة: أن يصبح هيثم أول قائد خليجي يفرض ضريبة دخل شخصية على أصحاب الدخول المرتفعة عام 2025.
ثم يعود غوش إلى لغة الأرقام: النتائج “تتحدث عن نفسها”، كما يقول. نسبة الدين إلى الناتج المحلي تم خفضها إلى النصف. وحققت البلاد فائضًا في الموازنة بلغ 7.5% عام 2022. وتضاعفت الصادرات غير الهيدروكربونية ثلاث مرات بوصفها حصة من إجمالي الصادرات منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. أما الاقتصاد الذي كان يُتوقع له أن ينهار، فهو بحسب المقال ينمو اليوم بوتيرة مستقرة، مع توقع صندوق النقد الدولي نموًا يقارب 4% بحلول عام 2026.
لكن “العبقرية الحقيقية” في مقاربة هيثم، وفق غوش، لم تكن التقشف وحده، بل الجمع بين الانضباط المالي والاستثمار الاستراتيجي. يشرح الكاتب أن السلطان، بينما قلّص الهدر، وضع رهانات ضخمة على الهيدروجين الأخضر تصل قيمتها إلى 140 مليار دولار بحلول عام 2050. ويضيف أن عُمان وقّعت في أبريل/نيسان 2024 وحده صفقات في مجال الهيدروجين الأخضر بقيمة 11 مليار دولار، وأنشأت كيانًا حكوميًا مخصصًا لتنسيق هذا القطاع هو «هيدروم»، وأطلقت عدة جولات مزايدة لمشاريع يمكن أن تنتج ما يصل إلى 1.38 مليون طن متري من الهيدروجين الأخضر سنويًا بحلول عام 2030.
ويشدد كاتب «فورين بوليسي» على أن هذا ليس إنفاقًا استعراضيًا، بل محاولة لبناء الاقتصاد الذي سيُبقي عُمان قائمة عندما ينضب النفط، وهو ما سيحدث—على الأرجح—في وقت أبكر مما هو عليه في الدول المجاورة.
أما في السياسة الخارجية، فيذكر غوش أن هيثم حافظ على “حياد عُمان الدبلوماسي” وواصل نهج سلفه القائم على مخاطبة الجميع. يورد الكاتب أن مسقط ساهمت في تسهيل التقارب السعودي–الإيراني عام 2023، وتوسطت في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وقوات الحوثيين عام 2025، وأبقت قنوات التواصل مفتوحة مع طهران مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقة وثيقة بواشنطن. ويضيف أن هذا الحياد ليس موقفًا أخلاقيًا فقط، بل “سياسة تجارية رشيدة”: أن تكون صديقًا للجميع يجعل منك طرفًا لا غنى عنه في منطقة تمزقها المنافسات.
لكن المقال لا يكتفي بلوحة النجاح، بل يفتح باب الوجه “الأكثر صرامة” في مقاربة هيثم. فإلى جانب تقليص الدين، يتحدث غوش عن كبح المعارضة. يذكر أن السلطان وقّع مرسومًا عام 2022 يفرض أحكامًا بالسجن تتراوح بين 3 و7 سنوات على كل من “يتحدى” سلطة السلطان، وهي صياغة فضفاضة وفق الكاتب تجرّم عمليًا أي شكل من أشكال النقد. ويشير المقال إلى سجن ناشطين بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تناولت الفساد والضيق الاقتصادي.
ويمضي غوش في تعداد أمثلة على هذا التشدد: مصادرة أكثر من خمسين عنوانًا خلال معرض مسقط الدولي للكتاب عام 2020، واستمرار جهاز الأمن الداخلي بصلاحيات واسعة لاحتجاز المنتقدين، وبقاء عُمان واحدة من دول المنطقة القليلة التي تُحجب فيها بانتظام بعض خصائص منصات الاتصال الأساسية مثل “واتساب”.
ثم ينتقل المقال إلى التحديات التي لا يحلها التقشف ولا القمع: بطالة الشباب. يورد غوش أن معدل بطالة الشباب يبلغ نحو 15%، ويرتفع إلى أكثر من 30% بين الشابات. كما يشير إلى أن نحو 55 ألف عُماني يدخلون سوق العمل سنويًا، بينما يخلق الاقتصاد عددًا أقل بكثير من الوظائف.
وهنا يضع الكاتب يده على توترٍ مزمن: برنامج «التعمين» الذي يلزم الشركات بتوظيف المواطنين بدل العمالة الوافدة الأرخص. القطاع الخاص—وفق ما ينقله المقال—يشكو من أن الشباب العُماني يفتقر إلى المهارات المطلوبة ويطالب بأجور أعلى مما يستطيع السوق تحمله.
ويصف غوش ذلك بأنه “الفخ الكلاسيكي” لدول الخليج: كيف يمكن خلق وظائف ذات معنى لجيل من المواطنين الشباب الذين يتوقعون وظائف حكومية لم تعد موجودة، في اقتصاد تهيمن عليه الشركات المملوكة للدولة ويعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الوافدة؟
رهان الهيدروجين الأخضر، يقر الكاتب، قد يخلق وظائف في نهاية المطاف… لكن ذلك لن يحدث قبل سنوات. أما الخريجون العاطلون من العمل—ولا سيما حملة الشهادات الهندسية—فهم “مادة شديدة الاشتعال سياسيًا”. ويذكّر غوش بأن بطالة الشباب كانت شرارة احتجاجات عام 2011 في عُمان، ويمكن أن تكون شرارتها مجددًا.
ثم تأتي المشكلة الكبرى التي “يتجاهلها الجميع” بحسب المقال: أسعار النفط. على الرغم من التماسك المالي، يذكر غوش أن 70% من إيرادات الحكومة لا تزال تأتي من الهيدروكربونات. وإذا انهارت أسعار النفط مرة أخرى، فإن هامش الخطأ في خطة هيثم سيتلاشى.
وأخيرًا، يفتح الكاتب ملف الخلافة. وعلى عكس قابوس الذي لم يترك وريثًا وأحاط مسألة الخلافة بالغموض حتى وفاته، يقول غوش إن هيثم تحرك سريعًا لتعيين ولي للعهد: نجله الأكبر ذي يزن بن هيثم، ورسّخ مبدأ الخلافة بالابن الأكبر. إنها سياسة “ذكية” بحسب المقال، لكنها لا تلغي أن ذي يزن لا يزال شابًا، وأن الإصلاحات التي أطلقها هيثم ستحتاج عقودًا حتى تنضج بالكامل، ما يعني أن الجيل التالي سيرث فرصًا كبيرة… وضغوطًا قد تكون كفيلة بإغراقه إن لم تُدار بحذر.
ورغم كل هذه التحفظات، ينتهي غوش إلى خلاصة تمنح هيثم نقطة نادرة في سجل القيادة الإقليمية: القدرة على اتخاذ قرارات صعبة… ثم إنجاحها على أرض الواقع. لم يعد الرجل شعبه بمستقبل لامع من المشاريع العملاقة والقفزات الخيالية، بل وعدهم—وفق منطق المقال—بالاستقرار والتخطيط الحذر والانتقال التدريجي بعيدًا عن الاعتماد على النفط.
ويختم الكاتب بتوصيفٍ لافت: هذه رؤية لا تصنع “مقاطع تنتشر على نطاق واسع” ولا تتصدر العناوين الدولية، لكنها قد تجعل من الإدارة الكفؤة “الفعل الأكثر ثورية على الإطلاق” في منطقة تميل كما يقولإلى الغرور من جهة وإلى الكوارث من جهة أخرى. ويستحق هيثم الإشادة في الذكرى السادسة لتوليه الحكم “لا لأنه كاريزمي، بل لأنه فعّال” وقد يبدو ذلك مديحًا باهتًا، لكنه ليس كذلك في الشرق الأوسط.
اقرأ أيضاً:










