وطن-في زمنٍ تتسارع فيه إيقاعات الحياة اليومية إلى حدّ يترك الإنسان متعبًا خلف المهام والمواعيد، تبدو القدرة على التريث وكأنها أصبحت مهارة نادرة. هذه الميزة البسيطة التي طالما اعتُبرت جزءًا من الحكمة الحياتية، تحوّلت اليوم إلى سلوك يحتاج إلى تدريب واعٍ وإرادة مستمرة للحفاظ عليها.
في هذا السياق، يؤكد عالم النفس خوسيه أورتيث غوردو، أنّ تقلّص قدرتنا على التحمل ليست مشكلة بسيطة، بل مؤشرًا يستحق القلق. فهو يرى أن الصبر ليس مجرّد وسيلة لضبط النفس عند الغضب أو الانتظار، بل قوة ذهنية عميقة ترتبط بذكاء الفرد وقدرته على اتخاذ قرارات واعية، غذ يقول، “إنها ليست مجرد فضيلة صغيرة، بل مستوى متقدّم من السيطرة العقلية”.
مجتمع يعيش على عَجَلة
في الحقيق، إن من يلاحظ سلوكياته اليومية سيدرك سريعًا أن نوبات التململ باتت جزءًا من حياته على غرار: مللٌ من بطء الإنترنت، ضيقٌ من ازدحام السيارات، نفاد صبرٍ من موظفٍ يتأخر بالردّ أو من مصعدٍ لا يصل في وقته. حتى التحية البسيطة أصبحت رفاهية نادرة. هذا التوتر العام، كما يفسّره عالم الاجتماع ماريانو أوراكو، ليس سوى انعكاسٍ لمجتمعٍ تحكمه ثقافة السرعة والإنتاجية؛ حيث تُقاس العلاقات بمدى الكفاءة لا بالإنسانية، حيث يقول “نتعامل مع الآخرين كما لو كانوا أدواتٍ فعّالة أو معطِّلة، لا شركاء في التجربة الإنسانية”.
اختبار الحلوى… مرآة السلوك البشري
يُذكرأ نه من أشهر الأمثلة المستخدمة في علم النفس لتقييم الصبر، اختبار بسيط يُجرى للأطفال: توضع قطعة حلوى أمامهم، مع وعدٍ بمكافأة إضافية إذا تريثوا لبضع دقائق قبل أكلها. من يقدر على الانتظار يثبت امتلاكه، وهذا ما يسميه الخبراء “رؤية تتجاوز اللحظة الراهنة”.
في الحقيقة، إن اللافت في هذا الأمر أن هذا الاختبار الرمزي يرافقنا في كل مراحل الحياة على سبيل المثال: في استعجالنا عند احتساء القهوة الساخنة قبل أن تبرد، في ردّنا الفوري على رسالة غير مهمّة، أو في شراء سلعة تُشحن سريعًا ولو كانت أقل جودة. وكأنّ الراشد اليوم يقف أمام الحلوى ذاتها… ويأكلها في اللحظة التالية دون تردد.
ثمن الاستعجال
لهذه النزعة نحو المكافأة الفورية تبِعاتٌ نفسية واقتصادية ملموسة. فكما يشير أورتيث غوردو، نحن نميل إلى “تقدير المكاسب السريعة أكثر من النتائج طويلة الأمد”، وهو ما يظهر في سلوك المستهلكين الذين يفضّلون سرعة التسليم على جودة المنتج. هذه المقاربة، وإن بدت منطقية في عالمٍ رقمي سريع، تُضعف – مع الوقت – قدرتنا الطبيعية على التمهّل والتعامل بعقلانية.
ويضيف أوراكو أن هذه العجلة ليست سمة فطرية في الإنسان، بل “نتاج تطوّر مفرط في النظام الاقتصادي يفرض علينا إيقاعًا أقرب إلى نمط الآلات”. غير أن أجسادنا وعقولنا لم تُبرمج على هذا التسارع المتواصل، ما يجعلنا ندفع الثمن توترًا وإجهادًا وإحساسًا دائمًا بضيق الوقت.
حين يصبح الاستراحة ذنبًا
حتى أوقات الراحة لم تعد بمنأى عن منطق الإنتاجية. فبدل أن تكون العطلات مساحة للتأمل واستعادة التوازن، أصبحت وسيلة “لشحن البطاريات” والعودة إلى العمل بطاقة مضاعفة. ويعلّق أوراكو: “بتنا نقيس قيمة الاستراحة بمدى قدرتها على جعلنا أكثر إنتاجًا لاحقًا، لا أكثر سعادة أو توازنًا”.
الصبر… مهارة يمكن تدريبها
لكن الأمر لا يبدو ميؤوسًا منه. فبحسب أورتيث غوردو، يمكن تدريب الصبر كما تُدرَّب العضلات. الأساس هو التخطيط. أي أن نفرّق بين ردود الأفعال التلقائية والسلوك الواعي القائم على هدف. أن نكون قادة لقراراتنا لا أسرى اندفاعاتنا.
ويشرح الخبير أن التنظيم الزمني البسيط يمكن أن يكون تمرينًا فعليًا على الصبر: تحديد فترات العمل، مراقبة الوقت الذي نقضيه أمام الهاتف، وضبط الأنشطة بحيث لا نشعر بأننا ملاحَقون بالدقائق. حين نتحكم بالوتيرة، تقلّ حاجتنا إلى العجلة، ويتسع مجال الصبر.
الغضب… الوجه العلني لغياب الصبر
إن نوبات التوتر اليومية سواء في الطريق أو العمل أو المنزل، كثيرًا ما تُفسَّر خطأً على أنها غضب من الحياة الواقعية، لكنها – في جوهرها – نتاجٌ مباشر لنفاد الصبر. يوضح أورتيث غوردو أن هذه الحالة تؤدي إلى “ازدياد قابلية الاستثارة لأن الشخص يشعر بالعجز عن استكمال مهامه في الوقت الذي يراه كافيًا”، ما يرفع مستويات القلق ويزيد الإحباط. ومع الوقت، يعيش الإنسان كل تفصيل بسيط حوله بانفعال مبالغ فيه.
نحو توازنٍ إنساني مفقود
ختامًا، إن تعلّم التريث ليس ترفًا؛ بل ضرورة لاستعادة ميزة افتقدناها وسط تسارع غير طبيعي للزمن. فالصبر لا يعني الاستسلام، بل فن إدارة الإيقاع الداخلي في عالمٍ يتسابق على كل شيء. وربما كانت الحكمة القديمة القائلة “لا يُبنى المجد في ساعة” تذكيرًا بسيطًا بأن النضج، يحتاج وقتًا لينمو.
اقرأ المزيد
فن الصبر عند الأطفال: كيف تدرب طفلك على انتظار دوره دون تذمر؟
رحلة تقدير الذات: كيف يؤثر سوء التعامل مع النفس في صحتنا العقلية؟










