وطن-بين أروقة الأسواق الشعبية الصاخبة وقاعات الطعام الفاخرة، تنسج لندن اليوم قصة جديدة لمطبخها الذي لطالما وُصف بأنه تقليدي وبسيط. فبعد سنوات كانت فيها العاصمة البريطانية في الظل مقارنة بمدن مثل باريس وطوكيو، باتت الآن في طليعة المدن العالمية من حيث تجربة الطعام، وفق تصنيف “ترايب أدفايزر” لعام 2026 الذي منحها المركز الأول ضمن جوائز “اختيار المسافرين” لأفضل وِجهات المأكولات في العالم.
من السمك والبطاطا إلى مطبخ العالم
لطالما ارتبطت صورة المطبخ اللندني بأطباق مثل السمك والبطاطا، وشاي ما بعد الظهيرة، والكاري الذي جلبته ثقافات المهاجرين. لكن ما يجري اليوم في أحياء لندن يمثل تحوّلاً لافتًا؛ فالمدينة أصبحت منصة للتنوّع الثقافي في المذاقات، مازجة بين الإبداع المحلي والتأثيرات القادمة من كل قارات العالم.
في هذا الصدد، يقول ماثيو كارفِر، مؤسس مطعم Pick & Cheese — أول مطعم في العالم يقدم أطباق الجبن على سير ناقل — إن “ما يجعل لندن استثنائية هو تنوعها المذهل. يمكنك أن تتناول وجبة مثالية مقابل عشرة جنيهات إسترلينية، أو تجربة فاخرة في مطعم راقٍ، ولن يخيب ظنك في الحالتين. من السهل أن تأكل جيدًا في أي يوم من أيام الأسبوع، سواء كانت وجبة سريعة أو مناسبة خاصة”.
يجد كارفِر، الذي يدير عدة مشاريع تُبرز لذّة الأجبان البريطانية والإيرلندية، أن سرّ المدينة في غناها بالتجارب المتباينة التي تتيح للناس استكشاف النكهات دون قيود.
الأسواق… قلب لندن النابض بالنكهة
لا تكتمل زيارة العاصمة دون جولة في أسواقها المختصة بالطعام، التي تشكل اليوم مشهدًا نابضًا بالحياة. فـ”بوروه ماركت” مثلًا يحتضن محال شهيرة مثل نيلز يارد ديري وبرِد أهيد، إلى جانب مطاعم معاصرة مثل أغورا التي تقدم المأكولات اليونانية بلمسة حديثة.
وفي سيفن دايلز ماركت في كوفِنت غاردن، يبرز وجه آخر للمدينة عبر ميلّو، أول مقهى مخصص للحلويات المصنوعة من المارشميلو، حيث يقول كارفِر إنه تذوّق هناك “أفضل كوب شوكولاتة ساخنة في حياته.” أما في شرق لندن، وتحديدًا داخل أولد سبيتالفيلدز ماركت، فيوصي بتجربة دَملينغ شاك الذي يشتهر بزلابية الحساء المقلية المحشوة بلحم الخنزير.
أطعمة من كل ركن من العالم
في لندن أيضاً، تبرز المأكولات الماليزية في مطعم روتي كينغ كأحد أبرز عناوين لها، حيث يُنصح بطلب طبق روتي تشاناي الذي يصفه كارفِر بأنه “بسيط، لذيذ، ولا يمكن مقاومته”. وعلى الرغم من طابعه المتواضع، إلا أن المطعم يجتذب طوابير طويلة من الزوار يوميًا، دلالة على أن التميّز لا يحتاج ديكورًا فخمًا.
أما محبي الطابع التراثي، فسيجدون ضالتهم في بيغل بيك الواقع في الحي الشرقي القديم، والذي يعمل على مدار الساعة، ويُعرف بساندويش اللحم المملّح الذي يعدّه الكثيرون الأفضل في المدينة. ولا يمكن تجاهل مطعم إم. مانز باي آند ماش الذي يعيد الزائر إلى بدايات الأكل الشعبي في لندن من خلال طبق الفطيرة مع البطاطا وصلصة البقدونس التقليدية.
من المطبخ المكسيكي إلى المذاق التايلندي
على الطرف الراقي من المشهد، يبرز مطعم كول الحاصل على نجمة “ميشلان”، حيث يقدم المأكولات المكسيكية بأسلوب معاصر يوازن بين الجودة وحجم الحصة. بينما يوفر هوميز أون دونكيز في ليتونستون تجربة مكسيكية صادقة بطابع موسيقى الهيب هوب من تسعينيات القرن الماضي.
ومن آسيا، يسطر مطعم كيلن بصمته عبر المطبخ التايلندي الإقليمي الذي يمزج النكهات الحارة القوية بتقديم صاخب وجريء، وقد وصفه كارفِر بأنه “تجربة لا ينبغي تفويتها.”
مدينة لا تنضب من المفاجآت
وعند اختتام رحلة تذوق الطعام في لندن، لا بد من تجربة شاي ما بعد الظهيرة الفاخر، أو الغوص في تجربة الكاري البريطاني الكلاسيكي. فالمدينة التي نالت لقب “أفضل وِجهة طعام في العالم” ليست مجرد مكان لتذوّق النكهات، بل صورة حيّة لعاصمة تمزج بين التراث والتجديد، لتؤكد أن الطعام فيها حكاية مستمرة تتطور مع كل وجبة جديدة.
اقرأ أيضاً
موجة هجرة خفية يعيد فيها الأثرياء رسم خريطة العيش العالمية
هل السعادة في منتصف العمر وهمٌ علمي؟ دراسات جديدة تعيد رسم خريطة الرضا عبر مراحل الحياة
مدن تكسر الخوف وتسحر المسافرين بأمانها في عام 2026










