وطن-لم تكن تلك الليلة في ضواحي مدينة مينيسوتا عادية بالنسبة للمتطوعة الشابة التي وجدت نفسها محاطة برجال مقنّعين يرتدون زيًّا يشبه زيّ الحرب. قبل لحظات فقط كانت تجلس في سيارتها إلى جانب صديقتها باتي، لكن المشهد انقلب سريعًا إلى كابوس حين بدأ أولئك الرجال – الذين يُعتقد أنهم من عناصر دائرة الهجرة والجمارك الأميركية – في طرق النوافذ بشدة ورشّ غاز الفلفل في فتحات الهواء.
تقول المتطوعة إنها لم تستوعب حينها سوى مشهد موت جارتها رينيه غود الذي هزّ الحي قبل أيام. كانت غود قد لفظت كلماتها الأخيرة بهدوء أمام قاتلها: “لست غاضبة منك”.
مراقبة من أجل الحماية… ثم الاعتقال
منذ أسابيع، بدأ سكان المنطقة بتنظيم مجموعات أهلية لمراقبة أنشطة وكالة الهجرة بعد إطلاق عملية أمنية عرفت باسم “ميترو سيرج”. كان دور المتطوعين بسيطًا: رصد تحركات الوكالة، توثيق ما يجري، وتحذير السكان عند ظهور الدوريات عبر أبواق السيارات وصفارات الإنذار. كانت تلك المبادرات قانونية وتتم في الشوارع العامة، وتُعد شكلًا من أشكال الرقابة المدنية.
يُذكر أن العمل الميداني في غالب الأحيان كان روتينيًا ومملًا على غرار؛ القيام بجولات متكررة عبر الأحياء التي يقيم فيها المهاجرون، ومتابعة التنبيهات التي ترد عبر تطبيقات خاصة للتواصل بين المتطوعين. لكن التوتر كان حاضراً دومًا، إذ لم تخلُ التجارب من المضايقات والتهديدات. فبعض المتطوعين تحدثوا عن ملاحقة عناصر الوكالة لهم حتى منازلهم، وعن محاولات لترهيبهم أو مصادرة هواتفهم أثناء التصوير.
حادثة الاعتقال
في الحادي عشر من يناير، ورد بلاغ عبر مجموعة الأحياء عن استعمال عناصر الهجرة رذاذ الفلفل ضد أحد المراقبين. توجّهت المتطوعة وصديقتها إلى الموقع، ولم تدركا أن تلك الدقائق القليلة ستنتهي باقتيادهما إلى سيارة مجهولة بعد تحطيم نوافذ سيارتهما.
وفي روايتها، استغرق الأمر ثلاث دقائق ونصف فقط قبل أن يتم تقييدها بعنف ونقلها إلى مبنى ويبل الفدرالي، وهو نفس المبنى الذي كانت ثلاثة من أعضاء المجلس المحلي قد مُنعوا من دخوله قبل يوم واحد أثناء محاولتهم تفقد أوضاع المحتجزين.
تتعمد الشابة وصف اللحظات الأولى داخل الزنزانة الصفراء الخالية بعبارة “كأن الزمن تجمّد”. حاولت النوم لكنها لم تستطع أن تتجاهل صرخات قادمة من عمق المرفق. طلبات الماء أو استخدام الحمام كانت تُهمَل لساعات. وحين أُتيحت لها الفرصة للخروج إلى المرحاض، شاهدت عشرات المحتجزين المرهقين مكدّسين في غرفة ضيقة، وجوههم شاحبة، عيونهم حائرة نحو الفراغ. تقول إن رجلاً ضغط وجهه على الزجاج الفاصل وكأنه يبحث عن بصيص ضوء من العالم الخارجي.
وفي زاوية أخرى من المرفق، رأت امرأة تبكي وهي تقضي حاجتها خلف زجاج مراقبة بينما يقف ثلاثة عناصر يراقبونها ويتهامسون ضاحكين. وتصف الشاهدة الموقف بأنه “أكثر لحظة إنسانية مهانة يمكن تخيّلها”.
ثماني ساعات من الغموض
بعد ثماني ساعات من الاحتجاز، أُفرج عن المتطوعة من دون توجيه أي تهمة. وتؤكد أن الفضل في إطلاق سراحها يعود لمحاميها إيمانويل ويليامز الذي استطاع الوصول إليها رغم القيود. ويشير ويليامز إلى تغييرات مقلقة في سياسات مركز ويبل قائلاً إن “ما نشهده مؤخرًا هو تعامل أكثر تشددًا مع المواطنين الأميركيين أنفسهم، بحيث يتم احتجازهم ونقل بعضهم إلى سجون اتحادية من دون أسباب واضحة”.
وأوضح المحامي أن السماح بدخول المستشارين القانونيين إلى المبنى لم يعد أمرًا مضمونًا، إذ يعتمد الأمر – بحسب تعبيره – على “الشخص الواقف أمام البوابة ذلك اليوم”، مضيفًا أنه تعرّض هو نفسه للتهديد برذاذ الفلفل عندما حاول زيارة أحد المحتجزين.
روايات أخرى وشهادة مصورة
في تسجيل مصوّر تداوله المتطوعون لاحقًا، يظهر أحد المحتجزين، ويُدعى دينيس، وهو مقيم قانوني، بينما يجبره عنصران على دخول سيارة بلا إشارات رسمية.
أحدهما يمسك بعلبة رذاذ الفلفل على بعد بوصة من عينيه مهددًا باستخدامها، قبل أن يتدخل زميله ويمنعه بصوت غاضب. يروي دينيس لاحقًا بابتسامة باهتة أنه قال لعنصر الوكالة وقتها: “افعلها إن كنت تجرؤ”.
احتجاجات تتسع وصمت رسمي
لم تكن الشابة وصديقتها الوحيدتين اللتين احتُجزتا خلال الأسابيع الماضية. أربع حالات مشابهة سُجلت لأشخاص تطوعوا في توثيق عمليات الوكالة أو تحذير الأهالي من وجودها. ورغم أن القوانين الفدرالية تكفل حق المواطنين في التصوير والمراقبة السلمية، إلا أن التجارب المتكررة تشير إلى تضييق متصاعد يثير قلق المنظمات الحقوقية في الولاية.
إنسان وراء كل قصة
تؤكد المتطوعة، التي ما زالت تتعامل مع آثار تلك الليلة، أن ما عاشته لا يقارن بما يُواجهه المهاجرون الذين لا يُعرف مصيرهم بعد اقتيادهم. تقول: “أنا خرجت بعد ساعات، لكن غيري يُساق إلى المجهول”.
في الحقيقة، إن قصتها ليست مجرد شهادة شخصية، بل تذكير مؤلم بأن خلف كل حملة أمنية هناك بشر، وخلف كل ملف ترحيل عائلات تنتظر، وأحياء تحاول أن تحافظ على الحدّ الأدنى من الأمان والكرامة.
اقرأ المزيد
اعتقال 4 طلاب من كولومبيا هايتس بينهم أطفال في الخامسة ونقلهم إلى تكساس من قبل إدارة الهجرة
عنف ضباط الهجرة ليس كمثله في منيابوليس…. مصوّر يخاطر بحياته لإنقاذ كاميراته وينفذ بأعجوبة منهم












