وطن-في حكم قضائي وُصف بأنه سابقة نادرة، قضت المحكمة العليا في لندن بتعويضٍ يتجاوز ثلاثة ملايين جنيه إسترليني للناشط والمعارض السعودي غانم المصارير، بعد ثبوت تورط جهات تابعة للمملكة العربية السعودية في اختراق هواتفه ببرنامج التجسس “بيغاسوس” وتدبير اعتداء عليه في العاصمة البريطانية عام 2018.
خلفية القضية
اشتهر غانم المصارير، وهو ناشط وناقد ساخر يقيم في بريطانيا منذ عام 2003 وحصل على حق اللجوء السياسي عام 2018، ببرامجه الساخرة على “يوتيوب” التي تناولت قضايا الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان في بلاده. وقد حققت قنواته خلال سنوات نشاطه مئات الملايين من المشاهدات، وجعلته شخصية معروفة داخل المملكة وخارجها.
ابتداءً من عام 2015، بدأت حملات مضايقة ممنهجة ضده، شملت اختراق حساباته الإلكترونية وتشويه موقعه الشخصي برسائل تمجّد الأسرة الحاكمة، إلى جانب تهديدات متكررة عبر الإنترنت والهاتف. وفي عام 2017، تلقّى تحذيرًا بأن مراسم تكريم حقوقية مزعومة في لندن لم تكن سوى فخّ لاستدراجه والتخلّص منه.
من الاختراق إلى الهجوم الجسدي
في منتصف عام 2018، تلقّى المصارير رسائل نصية بدت في ظاهرها صادرة عن مؤسسات إعلامية وشركات خدمات، غير أنّ الضغط على الروابط المضمّنة فيها مكّن القراصنة من تثبيت برنامج “بيغاسوس” في هاتفه. التحليل الفني الذي أجراه خبراء لاحقًا خلُص إلى أنّ البرنامج أتاح لمن يشغّله كامل السيطرة على جهازه، بما في ذلك الكاميرا والميكروفون وموقعه الجغرافي ورسائله الخاصة.
بعد نحو شهرين فقط، وأثناء مراقبته في لندن، تعرّض المصارير لاعتداء من قبل مجهولين اتهموه بالإساءة إلى العائلة المالكة في السعودية، وهدّده أحدهم قائلاً إنهم “سيتولّون تعليمه درسًا”، في مؤشر وصفته المحكمة بأنه يحمل بصمات تدخل رسمي.
مسار التقاضي
حاولت المملكة العربية السعودية في البداية الطعن في اختصاص القضاء البريطاني، مستندة إلى قانون الحصانة السيادية لعام 1978، إلا أنّ المحكمة العليا ثم محكمة الاستئناف رفضتا هذا الدفع. وبعد أن فشلت الرياض في استكمال الإجراءات المطلوبة لتأمين تكاليف التقاضي، توقفت تمامًا عن المشاركة في القضية ولم تقدّم أي دفاع رسمي.
من جهته، قدّم المصارير طلبًا لإصدار حكم مستعجل، وهو إجراء يسمح للمحكمة بالفصل في الدعوى على أساس الأدلة دون الحاجة لجلسة مطوّلة، متى تبيّن أن لا جدوى من الدفاع. القاضي سانِي خلُص إلى أنّ الدولة السعودية لم تُبدِ نية حقيقية للدفاع، وأنّ الوقائع والأدلة كانت كافية لإصدار حكم نهائي في غيابها.
حيثيات الحكم
استند القاضي إلى تقارير فنية موثوقة أبرزها من خبير “سيتزن لاب” الدكتور بيل مارزاك، الذي أثبت أن الخوادم والمجالات الإلكترونية المستخدمة في اختراق أجهزة المصارير مرتبطة بجهات سعودية. وأوضح أن برنامج “بيغاسوس” حوّل هواتفه إلى أجهزة تنصّت مستمرة، وهي ممارسات وصفها بأنها “انتهاك بالغ للخصوصية لا يمكن تبريره بأي شكل”.
كما أقرّ القاضي بأن الاعتداء الجسدي جزء من حملة ممنهجة هدفت إلى إسكات الناشط، وربط بين المهاجمين وجهات رسمية سعودية على ضوء العبارات التي صدرت أثناء الحادث. ورأى أن مجمل تلك الأفعال ـــ التجسس والتهديد والعنف ـــ ترقى إلى مستوى التحرّش المنظم.
الآثار والتعويض
أظهرت التقارير الطبية أنّ المصارير يعاني اضطرابًا اكتئابيًا حادًا منذ كشفه عملية التجسس، ما أدى إلى تدهور حالته النفسية وانقطاعه عن عمله وعزلته الاجتماعية. المحكمة منحت تعويضًا قدره مئة ألف جنيه عن الأضرار النفسية، وأكثر من 2.8 مليون جنيه عن خسائره في الدخل، إذ كان قد حقق قبل الهجمات موردًا متناميًا من نشاطه الإلكتروني الذي توقّف نهائيًا بعد الحادثة. وبذلك بلغ مجموع التعويضات 3.02 ملايين جنيه إسترليني.
وصف القاضي سلوك الدولة السعودية بأنه “غير مبرّر إلى درجة كبيرة وخارج كل المعايير المقبولة”، معتبرًا أن تجاهلها المتعمّد لسلطة القضاء البريطاني يعكس قرارًا سياسيًا واعيًا بالتنصّل من المحاسبة.
رسالة أوسع
يمثّل الحكم إشارة واضحة إلى أنّ استخدام أدوات رقمية للتجسس أو استهداف الأفراد المقيمين على الأراضي البريطانية لن يمرّ دون مساءلة قانونية. كما يعيد تسليط الضوء على المخاطر التي يتعرض لها المعارضون والمنفيون في الخارج، والآثار النفسية والمهنية التي قد تخلّفها حملات المراقبة والتهديد.
وعلى الرغم من أن التعويض المالي لا يمحو الأذى المعنوي الذي لحق بالمصارير، إلا أن الحكم البريطاني يذكّر بأهمية حماية الخصوصية وحرية الرأي، وبأن العدالة يمكن أن تنتصر، ولو بعد سنوات من الصمت والخوف.
اقرأ المزيد
تطبيق إسرائيلي “غير قابل للحذف” يتجسس على مستخدمي سامسونج في الشرق الأوسط
وثائق أمنية مسرّبة تكشف تجسس الإمارات داخل السعودية












