وطن-في شمال الولايات المتحدة، على الحدود مع كندا، تعيش ولاية مينيسوتا واحدة من أكثر لحظاتها السياسية والإنسانية توتراً منذ سنوات. فبينما تشتهر ببردها القارس وحراكها الاجتماعي الفعّال، باتت في الأشهر الأخيرة ساحة مواجهة مفتوحة بين السلطات المحلية والإدارة الفيدرالية، بعد سلسلة من الحوادث التي أثارت جدلاً واسعاً حول دور أجهزة الهجرة وحماية الحدود.
تصاعد المواجهة الميدانية
أصبحت مدينة مينابوليس، العاصمة الاقتصادية للولاية، والتي يشغل منصب واليها الديمقراطي تيم وولز – المرشّح السابق لمنصب نائب الرئيس إلى جانب كامالا هاريس في انتخابات 2024 –مسرحاً لإرسال ثلاثة آلاف عنصر من جهاز مراقبة الهجرة والجمارك (ICE) وجهاز حماية الحدود (CBP)، بناءً على أوامر من الرئيس دونالد ترامب.
إنّ الهدف المعلن للعملية هو “تشديد الرقابة على المهاجرين”، لكنّ ما ظهر على الأرض أوحى بعكس ذلك. فبحسب مسؤولين محليين، أدّت إجراءات هذه القوات إلى اضطراب الأمن العام، وسقوط قتيلين من المدنيين منذ مطلع العام، من بينهم الممرّض أليكس بريتي الذي قُتل أثناء محاولته حماية إحدى السيدات من رذاذ الفلفل الذي أطلقه عناصر فيدراليون خلال تدخلهم في حادثة ميدانية.
القضاء على خط المواجهة
ردّ السلطات المحلية جاء قانونياً في المقام الأول. فقد لجأ محامو الولاية إلى المحاكم استناداً إلى التعديل العاشر في الدستور الأميركي، الذي يمنح الولايات صلاحيات كل ما لم يُفوض للحكومة الفيدرالية. وأكدوا أنّ عملية “مترو سيرج” تحوّلت إلى ما يشبه “احتلالاً غير مشروع” داخل أراضي الولاية.
الملف المعروض أمام القاضية كيت منينديز، المعيّنة إبّان إدارة بايدن، قد يحمل تداعيات وطنية واسعة. المحامي سارة لاثروب، ممثلة مدينة مينابوليس، وصفت الأحداث الأخيرة بأنها “دليل مخيف على أن الوضع تجاوز حدود المقبول”، بينما شدد المحامي العام للولاية، بريان كارتر، على أن القضية اختبار لقدرة الولايات على حماية سيادتها القانونية.
أما النائب العام كيث إليسون فقد أبدى مخاوفه من احتمال التلاعب بالأدلة في قضية بريتي، مطالباً المحكمة بالحفاظ على التسجيلات المصوّرة من موقع الحادث. وقال إنّ “غياب الشفافية الفيدرالية أجبرنا على اللجوء إلى القضاء”، مؤكداً أن ما يحدث “غير مسبوق في تاريخ الولاية”.
أزمة سياسية في واشنطن
في العاصمة الفيدرالية، تتزامن هذه التطورات مع نقاش محتدم داخل الكونغرس حول موازنة وزارة الأمن الداخلي، التي تشرف على جهازي ICE وCBP.
أعلنت قيادات ديمقراطية برئاسة تشاك شومر، رفضها التصويت على الميزانية الجديدة ما لم تتضمّن قيوداً تقلّص صلاحيات الوكالات الفيدرالية في عمليات الاحتجاز والترحيل واسعة النطاق.
وحذر السناتور كريس ميرفي من أنّ “تمويل وزارة تُتهم بانتهاك القوانين وقتل مواطنين أميركيين أمرٌ لا يمكن قبوله”، ملمحاً إلى احتمال تعطيل إقرار الموازنة، وهو ما قد يؤدي إلى إغلاق جزئي للحكومة الفيدرالية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قبل نهاية الأسبوع.
تعبئة شعبية ومقاومة مدنية
تجاوزت ردود فعل سكان مينابوليس حدود الاحتجاج التقليدي، فقد تحوّلت الأحياء إلى شبكات متعاونة تتبادل التحذيرات عند اقتراب قوات الهجرة، فيما يُشجع المسؤولون المحليون السكان على توثيق أي تعامل للقوات الفيدرالية مع المدنيين لضمان وجود أدلة في حال وقوع تجاوزات.
وفي مشهد إنساني لافت، خرج آلاف المواطنين في درجات حرارة وصلت إلى عشرين درجة مئوية تحت الصفر لتوديع ضحيتي الحوادث الأخيرتين، الممرضة رينيه نيكول غود والممرّض أليكس بريتي. العائلات وزملاء العمل نشروا روايات تؤكد إنسانية القتلى ونفوا الاتهامات الرسمية التي وصفت أحدهم بأنه “إرهابي داخلي”.
الهتافات التي ترددت في شوارع مينابوليس – بعضها باللغة الإسبانية – حملت رسالة دقيقة: رفض الخوف، والدفاع عن الكرامة، والإصرار على العدالة.
ذاكرة مدينةٍ لا تنسى
مينابوليس ليست غريبة على هذا النوع من الصدامات؛ ففيها كانت لحظة الانفجار الأولى لحركة “حياة السود مهمة” عقب مقتل جورج فلويد عام 2020. واليوم، بعد ستة أعوام، تعود المدينة لتواجه مأزقاً مشابهاً: نزعة سلطوية تتخطى القانون، ومواطنة تصرّ على محاسبة الدولة عبر أدواتها المشروعة.
ومع أن الطريق إلى العدالة لا يزال طويلاً، فإن مشاهد التضامن التي تملأ شوارع الولاية تذكّر بأنّ القوّة في أميركا، كما في كل مكان، تبدأ من الناس الذين يرفضون الصمت أمام الظلم، أيّاً كان مصدره.
اقرأ أيضاً
تحول تاريخي في مسار ترامب: كيف أثرت أحداث فنزويلا، جرينلاند، ومينيسوتا على شعبيته؟
جريمة أم استهداف للمهاجرين؟ خبراء أمنيون يحللون واقعة مقتل بريتي ويفجرون مفاجآت صادمة صدمة












