وطن-في السنوات الأخيرة، تبدو بيئة العمل في كبرى الشركات الأمريكية وكأنها تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الرئيسي: “النتائج أولًا”. فبعد أن كانت السياسات الإدارية خلال جائحة «كوفيد-19» أكثر مرونة واهتمامًا بالجانب الإنساني للموظفين، تتجه مؤسسات عملاقة اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم الأداء المهني، حيث لم تعد الجهود وحدها كافية، بل النتائج الملموسة هي المعيار الحقيقي للبقاء والتقدم.
من ثقافة التحفيز إلى منطق المحاسبة
في مطلع يناير، وبعد موجة تسريحات كبيرة، طلب الرئيس التنفيذي لشركة «أمازون» آندي جاسي من الموظفين تقديم قائمة تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة إنجازات تُظهر بوضوح تأثير أعمالهم، في إطار نظام تقييم جديد سيرتبط بتحديد رواتبهم المستقبلية. النظام الجديد يُعد تحولًا عن الأسلوب السابق الذي كان يركز على أسئلة وُصفت بأنها «ناعمة»، مثل استكشاف ما يميّز الموظف أو الطريقة التي يعبر بها عن أفضل إمكاناته.
وفي شركة «ميتا»، يسير مارك زوكربيرغ على نهج مشابه. فقد أكدت الشركة أنها تعيد هيكلة آلية التقييم لتكافئ الأداء الاستثنائي وتمنح الموظفين تغذية راجعة أكثر انتظامًا وفعالية، مع ربط المراجعات الدورية بالحوافز والمكافآت المالية. أما في «سيتي بنك»، فقد وجّهت الرئيسة التنفيذية جين فريزر رسالة واضحة إلى موظفيها مفادها أن التقييم لا يُقاس على أساس الجهد، بل على النتائج المحققة، في وقت يواصل المصرف خطة لتقليص نحو 20 ألف وظيفة ضمن إعادة هيكلة واسعة.
ضغوط الأسواق وعودة الإدارة الحازمة
يعكس هذا التحول رغبة الرؤساء التنفيذيين في إعادة توجيه دفة الأداء المالي وسط تقلبات عالمية غير مسبوقة تشمل تحديات اقتصادية وجيوسياسية، وتنامي تأثير الذكاء الاصطناعي، وتغيرات سريعة في الأسواق. هذه الضغوط، وفق خبراء الإدارة، تدفع القادة إلى نقل عبء القلق وعدم اليقين إلى موظفيهم عبر تشديد معايير الإنتاجية.
ويشير مايكل يوسيم، أستاذ الإدارة المتقاعد في جامعة وارتون، إلى أن الاتجاه الجديد يربط بين التحفيز المالي والنتائج الأداءية المباشرة، موضحًا أن الأموال تتحول إلى أداة رئيسية لتحريك الدافعية داخل المؤسسات. ويضيف أن الشركات الكبرى كانت في الماضي تعتمد على وسائل أخرى كإضفاء الشعور بالهدف أو تمكين الموظف من رؤية أثر عمله، غير أن تلك الأساليب أصبحت أقل تأثيرًا في زمن تميل فيه كفة القوة إلى أصحاب القرار.
قلق الموظفين يتصاعد
وعلى الرغم من أن معدلات البطالة في الولايات المتحدة ما تزال منخفضة، فإنها ارتفعت نهاية العام الماضي إلى نحو 4.4%، بينما تراجعت ثقة العاملين في قدرتهم على العثور على وظيفة بديلة إلى 44.9% في استطلاع أجراه الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، وهو أدنى مستوى منذ عام 2013. هذا التراجع في الثقة جعل كثيرًا من الموظفين أكثر تمسكًا بوظائفهم الحالية وأقل استعدادًا للمخاطرة.
ويغذي الذكاء الاصطناعي هذا القلق المتزايد. فالتقديرات تتراوح بين احتمالية استبدال 6% من الوظائف بحسب «غولدمان ساكس»، إلى ما يقرب من نصف الوظائف المكتبية المبدئية وفق ما أشار إليه دريو أمودي، رئيس شركة «أنثروبيك». هذا الخوف من الإزاحة الآلية يمنح أصحاب الشركات أيضًا مساحة ضغط إضافية لتسريع تبني التقنيات الذكية، إذ يُربط الحديث عن خفض الوظائف بضرورة تبني العاملين للأدوات التقنية الجديدة.
بين التحفيز والخوف
في الحقيقة، قد يبدو التوجه القائم على تحفيز الأداء عبر المكافآت فاعلًا من الناحية الاقتصادية، لكن خبراء السلوك التنظيمي يحذرون من الوجه الآخر لهذه المعادلة. يقول دان كابل، أستاذ السلوك المؤسسي في كلية لندن للأعمال، إن الخوف يُعد من أقوى الدوافع البشرية، فهو يجذب الانتباه ويدفع الأفراد إلى التركيز على تحقيق الأرقام المطلوبة، لكنه في الوقت نفسه يقتل الإبداع والتعاون ويحدّ من التفكير الابتكاري. ويضيف: “حين نخاف، نتوقف عن النظر من زاوية العملاء وعن تجربة طرق جديدة لإنجاز المهام”.
بين واقعية النتائج وإنسانية العمل
قد تبدو سياسات “النتائج فقط” مغرية، لخلوها من التعقيدات، لكنها تحمل خطر تحويل أماكن العمل إلى ساحات خالية من الخيال. ففي عالم مليء بالمجهول—من تقلبات التكنولوجيا إلى اضطراب الاقتصاد والسياسة—ربما تصبح الحاجة أكبر لبناء بيئة تشجع على المثابرة والابتكار، لا تُقيِّم الموظف على ما أنجزه فقط، بل على قدرته في التعامل مع الغموض، ومحاولاته التي ربما تفل لكنها تفتح أبوابًا جديدة.
اقرأ المزيد
“لن نحتاج للبشر في معظم الأشياء”.. تصريحات مثيرة من بيل غيتس حول مستقبل الذكاء الاصطناعي
من عرش الثراء إلى خارج القائمة.. كيف أطاح إيلون ماسك بـ بيل غيتس من قائمة العشرة الكبار؟












