وطن-في زمن تسارعت فيه إيقاعات التنقّل ورحلات الطيران، تعود القطارات الفاخرة لتذكّرنا بأن السفر يمكن أن يكون غاية بحد ذاته، لا مجرد وسيلة للوصول. فشركة بيلموند، المالكة لقطار فينيس-سيمبلون أورينت إكسبريس الأسطوري، افتتحت فصلاً جديداً في تاريخها بإطلاق رحلة تربط باريس بجبال الألب الفرنسية، مقدمةً تجربة تجمع بين رفاهية الماضي وسحر المغامرة المعاصرة.
أجواء تعيد الزمن إلى الوراء
في ليلة شتوية من ديسمبر، انطلقت الرحلة من محطة غار دو لِست الباريسية وسط أجواء احتفالية: موسيقى الجاز تتهادى في الهواء البارد، والمضيفون يرتدون أزياء كلاسيكية بلونَي الأزرق والذهبي، فيما أضاءت نوافذ العربات السبعة عشر مشاهد توحي بعودة الحاضر إلى حقبة العشرينيات. بدا القطار بديكوراته المذهّبة وأخشابه اللامعة وكأنه يفتح بوابة نحو زمنٍ مختلف، حيث تتحول الرحلة إلى عرض فني متكامل على القضبان.
وجهة تحاكي الحالمين بالثلوج
يسلك القطار طريقاً من باريس إلى ألبرتفيل وموتييه وبور سان موريس، ليتيح للركاب متابعة طريقهم نحو منتجعات التزلج في ميجيف وشامونيه مون بلان وكورشوفيل وتيجنز فال ديزير. أما المدير العام للقطار، باسكال ديورول، فيرى أن السحر لا يقتصر على عشاق الثلج: “الأجواء على متن القطار في هذا الوقت من العام لا تشبه أي تجربة أخرى، فالعربات التاريخية وزخارف أعياد الميلاد تضيف بُعداً احتفالياً آسراً”، على حد تعبيره.
تفاصيل من حقبة فنية راقية
كل عربة في القطار تروي قصة، من مقاعد مخملية إلى ألواح زجاجية من تصميم لاليك. وقد خضع عدد كبير من عرباته، التي تعود إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، لعمليات ترميم دقيقة أعادت إليها بريقها الأول. داخل المقصورات الخشبية الأنيقة، تتجسد الراحة المترفة في تفاصيل دقيقة: بياضات فاخرة، قرطاسية مخصصة لبطاقات بريدية تُرسل من محطات التوقف، وابتسامة المضيفة التي تتحول إلى جزء من المشهد.
أجنحة بلمسة فنية فرنسية
وسّعت بيلموند أسطولها مؤخرًا بإضافة ثماني أجنحة جديدة صممت على يد حرفيين ومصممين فرنسيين، استوحيت أجواؤها من المناظر الطبيعية التي يمرّ بها القطار ـ من الغابات إلى الجبال والبحيرات. وتضم كل جناح حمامًا رخاميًا خاصًا ومنطقة جلوس تتحول إلى سرير مزدوج أو سريرين منفصلين. أما الأجنحة الكبرى الست، المستوحاة من عواصم أوروبية مثل إسطنبول، فتتميز بجلود منقوشة وأخشاب منحوتة يدويًا ونقوش قماشية تذكّر بـالبازار الكبير، إلى جانب خدمة كبير الخدم على مدار الساعة ومأكولات فاخرة تُقدَّم داخل المقصورة مع تدفّق لا ينقطع من الشمبانيا.
أمسية من الأناقة الموسيقية
في عربة البار 3674، كانت الموسيقى تملأ الأجواء بأغنيات كلاسيكية إيطالية، بينما يتبادل الركاب النخب بكؤوس صغيرة تحمل أسماء مستوحاة من القطارات مثل “تشو تشو مارتيني”. بدت القاعة كأنها حفلة مستعادة من رواية “غاتسبي العظيم”، بفساتينها اللامعة وبدلاتها الرسمية.
مأدبة تُعيد تعريف المطبخ على السكة
قاد الشيف الفرنسي جان أمبير تجربة العشاء على متن القطار. المعروف بإدارته مطعم بلاثا أثينيه في باريس، أعاد تصميم أدوات الطعام من الخزف الفرنسي وابتكر قائمة مستوحاة من مائدة عيد الميلاد التقليدية. شملت الوجبة محاراً بنكهة سابايون، وديكاً من سلالة شابو دو بريس محاطاً بالكستناء واليقطين وصلصة التوت البري، يليها حلوى “يويل لوغ” بنكهة القهوة وبندق بيمونتي المقرمش. يصف أمبير الطبق الأخير قائلاً: “يرتبط بذكريات طفولتي حين كنت أعدّه مع جدتي في كل عيد ميلاد”.
سكون الفجر ورشفة الشاي
بعد سهرة امتدت إلى ما بعد الثانية صباحاً، عاد الركاب إلى مقصوراتهم التي تحولت إلى غرف نوم مريحة. عند بزوغ الفجر، كانت النوافذ تفتح على بيوت مكسوّة بالثلج، فيما قُدّم الفطور المؤلف من معجنات فرنسية وشاي دامان فْريه الطازج. لحظات الصمت تلك، أمام المشهد الأبيض المتدرّج على مدى السكة، بدت كأنها جوهر الرحلة نفسها.
متعة التباطؤ
وقبيل الوصول إلى موتييه، اجتمع الركاب مجددًا على مائدة برانش فاخرة تضمنت بيضًا بالكافيار ورافيولي اللنغوستين وكؤوس شمبانيا جديدة، بينما كان الجو العام يدعو إلى التأمل في فلسفة هذه التجربة. فكما نصح ديورول الركاب: “توقّفوا قليلاً، استمتعوا بالأكل والقراءة والنظر إلى الخارج. فهنا، الهدف ليس الوصول، بل متعة السفر ذاته”.
تُعيد هذه الرحلة الفاخرة إحياء مفهومٍ فقدناه في عالمنا السريع: أن الترف لا يكمن فقط في الوجهة، بل في اللحظات التي نقضيها ونحن نسير نحوها. إنها دعوة إلى استعادة الإيقاع البشري البطيء، حيث يصبح القطار مسرحاً للحكايات، والزمَن نفسه هو الرحلة الأجمل.
اقرأ المزيد
هذا هو المطار الأسوأ عالمياً.. 75% من رحلاته لا تقلع في موعدها
رحلة الرعب التي تستغرق ساعة: رحلة مدتها 60 دقيقة فقط هي الأكثر اضطراباً على كوكب الأرض












