وطن-في وقتٍ تعيش فيه الأسواق الرقمية تقلبات حادة تجعل المستثمرين بين الحذر والترقب، يبرز اسم كاثي وود، المديرة التنفيذية لشركة «آرك إنفست»، بوصفها من أبرز الأصوات التي تتابع عن كثب تغيرات سوق العملات المشفّرة، محاولةً قراءة التحولات في قيم الأصول الرقمية ورصد مؤشرات المستقبل وسط زخمٍ من الاضطرابات السعرية.
قناعة مبكرة في مسار غير مؤكد
منذ عام 2015، حين كانت البتكوين لم تتجاوز حاجز 500 دولار، اتخذت وود خطوة جريئة بإدخال هذه العملة ضمن استثمارات شركتها، لتصبح «آرك إنفست» أول مدير أصول عام يمنح البتكوين موقعًا في محفظته الاستثمارية آنذاك. قرارٌ أثار آنذاك الكثير من الانتقادات، لكنه مع مرور الوقت تحوّل إلى رهانٍ ناجح بعد أن واصلت العملة الرقمية تسجيل ارتفاعات قياسية. وتشير تقديرات الشركة اليوم إلى إمكانية بلوغ سعر البتكوين مليون دولار بحلول عام 2030، في حال استمرار الاتجاهات الحالية.
رهانات مستمرة على المؤسسات العاملة في التشفير
وعلى الرغم من التقلبات، تواصل وود توسيع استثماراتها في شركات التكنولوجيا المالية والبلوك تشين، إذ تمتلك «آرك إنفست» حصصًا في منصّات مثل «كوينبيس» (أكبر بورصة عملات رقمية في الولايات المتحدة)، و«روبنهود ماركتس» المتخصصة في التداول الإلكتروني، إضافة إلى «بلوك» التابعة لجاك دورسي، وشركة «بيتماين إيميرجن تكنولوجيز» التي تُعدّ من أكبر الجهات المحتفظة باحتياطي الإيثيريوم عالميًا، وكذلك شركة التداول «بولّيش» المدعومة من المستثمر بيتر ثيل.
انهيار الأسعار وتفسير «آرك» للمشهد
عقب تراجع سعر البتكوين إلى ما دون 80 ألف دولار في 31 يناير، قدّم لورنزو فالينتي، مدير أبحاث الأصول الرقمية في «آرك إنفست»، قراءةً حول العلاقة بين الذهب والعملة الرقمية، مقارنًا القيمة السوقية للذهب بإجمالي المعروض النقدي الأميركي (الذي يُعرف بمؤشر M2). وأوضح أن القيمة السوقية للذهب باتت تعادل نحو 170٪ من حجم هذا المعروض، وهو مستوى قياسي يذكّر بفترات اقتصادية عصيبة مثل الكساد الكبير عام 1934 وأزمة التضخم الحاد في عام 1980.
فالينتي يرى أن ارتفاع الذهب بهذا الشكل يُعد إشارة إلى بلوغ ذروة سعرية غالبًا ما تتبعها تحولات اقتصادية كبرى، كما حدث حين تراجع الذهب بنسبة 60٪ بعد موجة الصعود عام 1980. ووفق قوله، فإن السوق اليوم على أعتاب لحظة محورية جديدة لا يمكن التنبؤ باتجاهها بدقة، لكنها قد تشكّل فرصة استثنائية للمستثمرين القادرين على قراءة المؤشرات في وقتها.
علاقة معقدة بين الذهب والبتكوين
في تقرير أصدرته «آرك» منتصف يناير، أظهر التحليل أن الارتباط بين سعري الذهب والبتكوين ظل منخفضًا منذ عام 2020، إذ لم يتجاوز 0.14، ما يدل على أن تحرّكات أحدهما لا تعني بالضرورة تغيّرًا مشابهًا في الآخر. غير أن وود أشارت في تعليقها إلى أن فترات ازدهار الذهب غالبًا ما كانت تسبق موجات الصعود الكبرى للبتكوين في الدورات السابقة، معتبرةً أن التاريخ قد يعيد نفسه إذا توفرت الظروف المواتية.
غياب الاستجابة لـ«تداول تدهور العملة»
في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة إلى مستويات غير مسبوقة نهاية يناير، لم يواكب البتكوين تلك الموجة رغم تراجع قوة الدولار الأميركي، وهو ما خيّب آمال المراهنين على ما يُعرف بـ«تجارة التدهور النقدي»، أي الاستثمار في الأصول البديلة كوسيلة للتحوّط ضد فقدان العملة قيمتها.
ففي 30 يناير بلغ الذهب مستوى قياسيًا قدره 5,594.82 دولارًا للأونصة، قبل أن يتراجع في عطلة نهاية الأسبوع إلى 4,893.2 دولارًا للأونصة. في المقابل، ظلّ البتكوين متأثرًا بالانهيار السريع الذي سجّل في 10 أكتوبر 2025، ليهبط بنسبة 7.5٪ خلال 24 ساعة ويستقر عند 77,730.64 دولارًا، أي أقل بنحو 35٪ من ذروته التاريخية البالغة 126,080 دولارًا في السادس من أكتوبر من العام نفسه.
كما شهد إجمالي القيمة السوقية للعملات الرقمية انخفاضًا بنسبة 7٪ خلال اليوم نفسه لتصل إلى 2.7 تريليون دولار، ما يعكس حجم التراجع الواسع في ثقة المتعاملين بهذا القطاع.
بين الحذر والأمل
تختتم كاثي وود موقفها بالتأكيد على أن التقلبات الحالية لا تلغي الأفق الطويل المدى الذي تراهن عليه التكنولوجيا المالية، معتبرةً أن التحولات الاقتصادية الكبرى لطالما ولّدت فرصًا للمستثمرين القادرين على الصبر والقراءة الواعية. ومع أن طريق العملات المشفّرة لا يخلو من المخاطر، فإن الدرس الأوضح في هذه المرحلة هو ضرورة الوعي بطبيعة السوق، وفهم العلاقة بين الأصول التقليدية والرقمية قبل اتخاذ أي قرار استثماري.
اقرأ المزيد
بين الجاذبية والمخاطرة: لماذا تبقى العملات الرقمية رهينة التقلبات؟












