وطن – كشفت صحيفة The Daily Beast الأمريكية، في تقرير مثير للجدل، عن ادعاءات خطيرة وردت في وثيقة رسمية قدّمها نيكولاس تارتاغليوني، شريك الزنزانة السابق لجيفري إبستين، يزعم فيها أنه يمتلك “أدلة” تشير إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت ترغب في موت إبستين داخل السجن، وأنه تُرك بلا حماية “عن قصد”، حتى لا يصل إلى المحاكمة.
وبحسب ما نقلته الصحيفة، فإن تارتاغليوني – وهو قاتل رباعي وضابط شرطة سابق – تقدّم في الصيف الماضي بطلب رسمي للحصول على عفو أو تخفيف عقوبة، تضمّن ادعاءات صادمة يقول فيها إن إبستين تعرّض للإهمال المتعمّد، وأن ترتيبات حبسه لم تكن مجرد خطأ إداري، بل خطوة محسوبة تهدف إلى إسكات واحد من أخطر “سماسرة الأسرار” في أمريكا قبل أن يفتح فمه أمام المحكمة.
وتؤكد “ديلي بيست” أنها حصلت على وثيقة مكوّنة من 21 صفحة تتضمن مزاعم تارتاغليوني، والتي يقول فيها بشكل مباشر إنه يعتقد أن إدارة ترامب كانت تريد إبستين “ميتاً”.
كيف انتهى إبستين مع قاتل في زنزانة واحدة؟
قبل وفاة إبستين في 10 أغسطس/آب 2019 داخل سجن مركز الإصلاحات الفيدرالي (MCC) في مدينة نيويورك، قررت إدارة السجن أن يتم وضعه في زنزانة مشتركة مع متهم بجرائم قتل جماعية، في خطوة وصفتها “ديلي بيست” بأنها ما زالت بلا تفسير واضح حتى اليوم.

ووفقاً للتقرير، فإن إبستين – الذي كان يعد في حينها أكثر سجين شهرة في الولايات المتحدة – لم يُترك في زنزانة منفردة كما يحدث عادة مع السجناء شديدي الحساسية، بل جرى وضعه مع تارتاغليوني، وهو شخص معروف في السجن بسمعته العنيفة وبأنه يعترف بكراهيته الشديدة للمتحرشين بالأطفال والمجرمين الجنسيين.
وتلفت “ديلي بيست” إلى أن هذا القرار أثار تساؤلات خطيرة، لأن إبستين لم يكن مجرد متهم عادي، بل كان محور قضية تهز المجتمع الأمريكي، وكان اسمه مرتبطاً بعلاقات متشعبة مع شخصيات سياسية واقتصادية وأرستقراطية، ما يعني أن محاكمته كانت ستفتح أبواباً واسعة من الفضائح.
“ليس صدفة”… تارتاغليوني يتهم الدولة بتعمد وضعه مع إبستين
يقول تارتاغليوني في التماسه، وفق ما نقلته “ديلي بيست”:
إنه لا يرى أن انتقاله إلى سجن MCC في مانهاتن كان إجراءً عادياً، بل يعتقد أنه كان خطوة مدبرة “عمداً” حتى يتم وضعه مع إبستين في نفس الزنزانة.

وأضاف:
“ليس من قبيل المصادفة أنني نُقلت قبل المحاكمة إلى مركز الإصلاحات في مانهاتن وتم وضعي عمداً في نفس زنزانة جيفري إبستين”.
ويشير إلى أنه كان معروفاً بعنفه وبشراسة جرائمه، ومع ذلك تم اختياره دون غيره من مئات السجناء ليكون شريكاً لإبستين، ما يدفعه للقول إن الأمر كان “متعمداً”.
إبستين قال إن تارتاغليوني حاول قتله قبل أسابيع من موته
واحدة من النقاط التي يركز عليها تقرير “ديلي بيست” هي أن إبستين نفسه سبق أن أبلغ حراس السجن أن تارتاغليوني حاول قتله قبل ثلاثة أسابيع من العثور عليه ميتاً.
وتذكر الصحيفة أن إبستين عُثر عليه قبل وفاته بثلاثة أسابيع شبه فاقد للوعي داخل زنزانته، مع إصابات في الرقبة، وقال للحراس حينها إن تارتاغليوني حاول خنقه. لكنه لاحقاً تراجع عن شكواه قائلاً إنه لا يتذكر ما حدث.
وبعد هذه الحادثة تم نقل تارتاغليوني خارج زنزانة إبستين.
لكن تارتاغليوني، وفقاً للتقرير، نفى أنه اعتدى على إبستين، بل ادعى لاحقاً أنه حاول إنقاذ حياته، وأنه عثر عليه على الأرض وبحول عنقه “قطعة خيط”.

رسالة سابقة لصحيفة نيويورك ديلي نيوز: “لم ألمسه أبداً”
تارتاغليوني سبق أن كتب رسالة إلى صحيفة New York Daily News في سبتمبر/أيلول 2019 قال فيها:
“لم ألمس الرجل أبداً… أنا أحتقر كل من يؤذي الأطفال، لكن مهما كان ما سيحدث له، لم أكن أريد أن أكون جزءاً منه”.
لكنه في نفس الرسالة اعترف بأن اختياره ليكون شريك زنزانة إبستين كان أمراً غريباً، قائلاً:
“كان لدى موظفي السجن في MCC مئات السجناء ليختاروا منهم، ومع ذلك كنت خيارهم الأول”.
ديلي بيست: كثيرون لا يصدقون رواية الانتحار
وتؤكد “ديلي بيست” أن ظروف وفاة إبستين لا تزال مثيرة للجدل، وأن العديد من الأشخاص في محيطه – بمن فيهم شقيقه مارك، والمتهمة بالتعاون معه غيسلين ماكسويل، وخادمه السابق، ومحاموه – لا يصدقون أنه انتحر بالفعل.
وتضيف الصحيفة أن السلطات الرسمية أعلنت أن الوفاة كانت “انتحاراً”، لكن التحقيقات والتقارير الرسمية التي تلت ذلك تحدثت عن “إخفاقات مؤسسية واسعة”، في حين أن تلك التقارير نفسها كانت مليئة بالتناقضات والثغرات.
طبيب نفسي: إبستين قال إن الانتحار “ضد دينه”
وبحسب ما ورد في التقرير، فإن طبيباً نفسياً في السجن التقى إبستين قبل وفاته بأسابيع، ذكر أن إبستين قال له إن الانتحار “ضد دينه”، وإنه يعتبر نفسه “جباناً” لا يستطيع تحمل الألم، وبالتالي لا يمكن أن يؤذي نفسه.
كما نقلت الصحيفة عن محامي إبستين ريد وينغارتن أنه قال للقاضي المشرف على القضية:
“في وقت وفاته، لم نر شخصاً يائساً أو محطماً أو فاقداً للأمل”.
تفاصيل جديدة عن كاميرات المراقبة: “شكل برتقالي” ظهر قرب جناح إبستين
من أخطر ما ورد في تقرير “ديلي بيست” أن شبكة CBS News تحدثت هذا الأسبوع عن وثيقة ضمن ملفات إبستين تشير إلى أن المحققين لاحظوا “شكلاً برتقالياً” في كاميرات المراقبة يتجه نحو المنطقة التي كانت فيها زنزانة إبستين في الساعة 10:39 مساء يوم 9 أغسطس/آب 2019، أي قبل ساعات من العثور عليه ميتاً.
وتقول الصحيفة إن هذه المعلومة تتناقض مع الرواية الرسمية السابقة التي كانت تؤكد أن أحداً لم يدخل تلك المنطقة في تلك الليلة.
وبحسب مذكرة مراقبة تابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، تم وصف الشكل البرتقالي بأنه “ربما سجين”، بينما تعاملت مراجعة المفتش العام في وزارة العدل مع الشكل على أنه “حارس سجن”.
وهنا تعود الأسئلة القديمة لتطفو مجدداً:
هل كانت هناك حركة داخل الممرات لم يتم الإفصاح عنها؟ وهل أخفيت معلومات حول من دخل فعلاً إلى منطقة إبستين في الليلة التي مات فيها؟
جو روغان يهاجم الحكومة: “غريب جداً”
وتذكر “ديلي بيست” أن مقدم البودكاست الشهير جو روغان – الذي كان يوماً من داعمي ترامب – علّق بغضب على القضية، وقال إن وضع إبستين مع قاتل جماعي أمر غير مفهوم، واصفاً ذلك بأنه “غريب”.

وقال روغان:
“من الغريب أن تأخذ واحداً من أكثر المتهمين شهرة في التاريخ وتضعه في السجن مع قاتل جماعي… هذا جنون”.
ترامب ينفي… لكن شبح العلاقة القديمة يلاحقه
التقرير يشير إلى أن ترامب – البالغ من العمر 79 عاماً – كرر مراراً أنه لم يكن لديه أي معرفة أو مشاركة في جرائم إبستين، لكنه ظل لعقود “مطاردًا” بعلاقته الاجتماعية الطويلة مع الممول الثري الذي تحول لاحقاً إلى واحد من أشهر المتهمين بالاتجار الجنسي بالقاصرات في التاريخ الأمريكي.

وتقول “ديلي بيست” إن إبستين كان على وشك مواجهة محاكمة علنية بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات، وأن جلسات الاستماع كانت قد تفتح الباب لذكر أسماء كثيرة من النخبة السياسية والاجتماعية الأمريكية.
تارتاغليوني يزعم: الحكومة أرادت قتلهما معاً
وفي ادعاء صادم، قال تارتاغليوني في التماسه إنه تعرض لمحاولات قتل أيضاً بعد أن “تم سحبه دون قصد” إلى هذه القضية المعقدة، مؤكداً أنه لم يُحمَ هو ولا إبستين.
وقال في الوثيقة:
“أعتقد بصدق أن الحكومة كانت تريد إبستين وأنا ميتين”.
اتهامات ضد المدعية مورين كومي… ومحاولة استرضاء ترامب
وتشير “ديلي بيست” إلى أن تارتاغليوني لم يكتف باتهام إدارة ترامب، بل حاول في الوقت نفسه كسب ود الرئيس عبر توجيه اتهامات ضد المدعية الفيدرالية مورين كومي (ابنة مدير الـFBI السابق جيمس كومي، خصم ترامب الشهير).
وزعم تارتاغليوني أن كومي حاولت دفع إبستين لاتهام ترامب مقابل الحرية، لكنه قال في الوقت نفسه إن إبستين أخبره بأن ترامب “لم يكن متورطاً” في جرائمه.
وتصف الصحيفة هذه الادعاءات بأنها “غير مثبتة”.
القاتل الرباعي يطلب العفو… لكنه محكوم بأربع مؤبدات
وتختم “ديلي بيست” تقريرها بالإشارة إلى أن تارتاغليوني مدان بقتل أربعة رجال، وحُكم عليه عام 2024 بأربع عقوبات سجن مؤبدة متتالية، ما يعني أنه عملياً لن يغادر السجن أبداً.

ورغم ذلك، قدم طلباً رسمياً للحصول على عفو أو تخفيف عقوبة من الرئيس ترامب، مستنداً إلى قضية إبستين باعتبارها أحد أسباب “الظلم” الذي يزعم أنه تعرض له.
كما ذكرت الصحيفة أن وزارة العدل الأمريكية لم ترد على طلب التعليق.
البيت الأبيض يهاجم ديلي بيست: “قمامة”
وفي رد رسمي على التقرير، نقلت “ديلي بيست” عن متحدث باسم البيت الأبيض قوله إن أي شخص يستطيع تقديم طلب عفو، لكنه هاجم الصحيفة بشدة، قائلاً:
“مثل كل ما تكتبه ديلي بيست، لا ينبغي لأحد أن يأخذ قمامتهم على محمل الجد… الرئيس ترامب هو صاحب القرار النهائي في جميع طلبات العفو”.
خلاصة
تقرير “ديلي بيست” أعاد إشعال الأسئلة القديمة حول وفاة جيفري إبستين داخل السجن، وسط تناقضات رسمية لم تُغلق نهائياً، ووسط مزاعم جديدة من شريك زنزانته السابق، تتهم إدارة ترامب بأنها كانت تفضّل أن يُدفن الملف قبل أن يصل إلى قاعة المحكمة.
وبين الانتحار الرسمي، والشكوك التي لا تنتهي، والوثائق التي تتساقط تباعاً، يبدو أن “ملف إبستين” لم يغلق… بل ربما بدأ فصله الأخطر الآن.
اقرأ أيضاً:
تحقيق جولي براون يكشف خفايا قضية جيفري إبستين ويعيد فتح ملف النفوذ والعدالة في أمريكا
جزيرة جيفري إبستين السرية تكشف فضائح النخبة العالمية بين المال والسلطة
نظام المهداوي يكتب: أمريكا لا تحاكم أحداً من المتورطين في جرائم جيفري إبستين
صور جديدة تكشف لحظات محاولة إنعاش جيفري إبستين بعد انتحاره داخل السجن












