وطن-في ظل موجة الجدل التي أثارها الكشف عن الأرشيف الإلكتروني الواسع لرجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين، عادت إلى الواجهة رسائل بريدية قديمة أُسيء تفسيرها على نطاق واسع، لتثير معلومات غير دقيقة عن شخصيات سياسية بارزة، من بينها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
خلفية القضية
مع مطلع عام 2026، أعلنت وزارة العدل الأميركية إتاحة ملايين الملفات المرتبطة بالتحقيقات السابقة في قضية إبستين، لتبدأ منصات التواصل الاجتماعي تداول مقتطفات من مراسلاته الإلكترونية مع عدد من الشخصيات العامة حول العالم. إحدى هذه الرسائل المؤرخة في أبريل/نيسان 2009 تضمنت جملة أثارت التساؤلات، إذ كتب إبستين في رسالة إلى أحد معارفه: «أحببت فيديو التعذيب».
بعد نشر محتوى الرسالة، فسّر بعض المستخدمين هذه العبارة على نحو مثير، مدّعين أن المتلقي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، الذي قيل إنه كان في الصين خلال تلك الفترة. وانتشرت لقطات شاشة من الملفات تُظهر إدخالين متتاليين: الأول من إبستين يسأل «أين أنت؟ هل أنت بخير؟ أحببت فيديو التعذيب»، والثاني من الطرف الآخر يجيبه بأنه موجود في الصين وسيكون في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الثاني من مايو/أيار. هذه التفاصيل الجزئية عززت، خطأً، قناعة بعض المتابعين بأن الحديث يدور عن تواصل مباشر بين إبستين ونتنياهو.
تفنيد الادعاءات
غير أن مراجعة البيانات الرسمية والوثائق الدبلوماسية التي تعود إلى تلك الفترة أظهرت بوضوح أن نتنياهو لم يكن في الصين عام 2009. فبحسب سجلات وزارة الخارجية الصينية، فإن لقاءه مع وزير الخارجية الصيني آنذاك يانغ جياشي عُقد في القدس يوم 23 أبريل، أي قبل يوم واحد من إرسال تلك الرسالة. كما تؤكد التغطيات الصحفية أنه كان في الولايات المتحدة لاحقًا منتصف مايو/أيار للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما، ثم عاد إلى القدس في العشرين من الشهر نفسه.
هوية المرسل إليه
كشفت التحقيقات اللاحقة، التي استُكملت بعد نشر الملفات، أن الطرف الآخر في المراسلة لم يكن نتنياهو إطلاقًا، بل رجل الأعمال الإماراتي سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة شركة «دي بي وورلد» المتخصصة في الخدمات اللوجستية. وقد جرى تأكيد هذه المعلومة رسميًا منتصف فبراير/شباط 2026، عندما كشف عضو الكونغرس الأميركي توماس ماسي عن هوية المرسل إليه، مشيرًا إلى أن نائب المدعي العام الأميركي تود بلانش صادق على دقة هذا التحديد. وأعقب الإعلان إعلانُ بن سليم استقالته من منصبه في الشركة.
السياق الزمني
تجدر الإشارة إلى أن إبستين في تلك المرحلة لم يكن حرّ الحركة بالكامل، إذ كان يقضي عقوبة بالسجن في مقاطعة بالم بيتش بولاية فلوريدا بتهم تتعلق بجرائم جنسية بحق قاصر. ووفق تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست آنذاك، فُرضت عليه إقامة نهارية تسمح له بمغادرة السجن إلى مكتبه والعودة ليلاً، ضمن برنامج “إفراج للعمل”، ليستكمل عقوبته التي انتهت بعد 13 شهرًا في يوليو/تموز 2009.
ما وراء الخبر
هذه الواقعة تمثل نموذجًا دقيقًا لكيفية تحوّل جزء من معلومة – جملة مقتطعة أو بريد منسوب – إلى موجة واسعة من الاتهامات التي قد تمس سمعة شخصيات عامة دون سند. فالتدقيق اللاحق لم يثبت أي صلة تواصل بين نتنياهو وإبستين، ولم تُظهر الملفات أي مداولات بينهما سواء في تلك الفترة أو بعدها.
وفي ظل الانتشار السريع للمحتوى الرقمي، تذكّر هذه القصة بأهمية التحقق من المصادر قبل تداول الأخبار، خصوصًا حين تتعلق باتهامات أخلاقية أو سياسية تمس الأفراد. فبينما تطوي ملفات إبستين صفحاتها في المحاكم والأرشيف، يبقى الدرس الأهم في ضرورة التمسك بالمسؤولية الإعلامية وعدم الوقوع في فخ الخلط بين الحقائق والتكهنات.
اقرأ المزيد
زلزال سياسي في واشنطن بعد كشف ملفات جيفري إبستين واتهامات تطال نخبة عالمية












