وطن-في خضم واحدة من أكثر القضايا التي أحرجت المؤسسة الملكية البريطانية خلال العقد الأخير، تجددت التساؤلات حول كيفية تعامل العائلة المالكة مع تصرفات الأمير أندرو ماونتباتن-ويندسور، بعدما أُزيح من موقعه الرسمي مبعوثاً تجارياً للمملكة إثر تصاعد الشكوك حول علاقاته برجَري إيبستين، الذي أدين لاحقاً في قضايا استغلال قاصرات.
خلفية القرار وتحوّل الموقف الرسمي
لم يكن القرار الذي نُفّذ عام 2011 وليد لحظة طارئة، بل نتيجة نقاشات مطوّلة داخل الحكومة الائتلافية البريطانية آنذاك، وفق ما كشفه وزير الأعمال الأسبق فينس كيبل. وأوضح كيبل أن نشر صورةٍ للأمير أندرو وهو يحيط ذراعه بفيرجينيا جوفري—التي قالت إنها نُقلت قسراً إلى لندن لأغراض استغلال جنسي—سرّع من اتخاذ الخطوة بإنهاء مهمته الرسمية.
وقال كيبل متحدثاً عن أجواء تلك الفترة إن أجواء الوزارة كانت تميل إلى تجنّب التعامل مع الأمير بعد هذا الجدل، مضيفاً أن الموقف الرسمي ظلّ محافظاً على واجب اللياقة تجاه الأسرة المالكة، رغم الانطباع السائد بأن دوره لم يكن مثمراً. وبيّن أن إنهاء مهمته “كان قراراً حساساً سياسياً يتطلّب تنسيقاً مباشراً مع رئاسة الوزراء وقصر باكنغهام بسبب رمزية الموقع”.
موافقة القصر ووساطة الملكة الراحلة
أكدت مصادر عليا في “وايتهول”، أن مغادرة الأمير لمنصبه تمت بعد مشاورات جمعت رئيس الوزراء حينها ديفيد كاميرون بالملكة الراحلة إليزابيث الثانية، التي كانت قد دعمته سابقاً لتولي هذا الدور عام 2001. وأشارت تلك المصادر إلى أن تقارير الدبلوماسيين والسفراء أوضحت أن استمرار الأمير في مهماته بات يأتي بنتائج عكسية، ما جعل التوافق بين الحكومة والقصر على ضرورة تنحيه أمراً حتمياً.
وأفاد أحد أعضاء الحكومة وقتذاك بأن القلق داخل الدوائر الرسمية لم يكن محصوراً في الأداء المهني، بل شمل مخاوف بشأن “بعض أصدقائه المثيرين للشبهة”.
استياء متراكم وأداء مثير للجدل
شكا عدد من السفراء من سلوكيات الأمير خلال رحلاته الرسمية، إذ ذكروا أنه كان يتأخر عن المواعيد أو يكتفي بالحديث مع فئة محددة من الحضور قبل مغادرة الفعالية بسرعة، ما ترك انطباعاً سلبياً لدى المشاركين. واعتُبر أن الرحلات التي تموَّل من أموال دافعي الضرائب لم تحقق القيمة المتوقعة مقارنة بزيارات أعضاء آخرين من العائلة المالكة مثل ولي العهد آنذاك تشارلز أو الأميرة آن، الذين تميّزوا بعلاقاتهم المؤثرة وحرصهم على نجاح المناسبات الرسمية.
اتهامات وتداعيات قانونية
لم تتوقف القضية عند حدود السمعة، إذ كشفت تقارير لاحقة أن السلطات البريطانية أوقفت الأمير أندرو لاستجوابه في إطار تحقيقات تتعلق بادعاءات تسريب معلومات حكومية حساسة إلى إيبستين عندما كان يشغل منصب مبعوث التجارة. وأعرب الوزير الأسبق فينس كيبل عن “صدمته”، مشيراً إلى أنه اكتشف لاحقاً أن تقارير حكومية مرتبطة بزيارات خارجية قد تكون وصلت إلى شبكة إيبستين، وهو ما وصفه بأنه “أمر يثير الاشمئزاز ويقوّض الثقة في موقع المسؤولية العامة”.
إدارة الأزمة ومستقبل الصورة الملكية
فيما بعد، حاول الملك تشارلز الثالث احتواء تداعيات الأزمة عبر سحب الألقاب الرسمية من شقيقه وإبعاده عن الإقامة في مقر “رويال لودج” ضمن أملاك وندسور، غير أن الجدل حول طول فترة التغطية الملكية على تجاوزاته عاد بقوة بعد بدء التحقيقات الأمنية. ويرى متابعون أن الطريقة التي عولجت بها قضية أندرو تُلقي الضوء على تحديات العلاقة بين المؤسسة الملكية والدولة، وعلى حساسية التوازن بين المكانة الرمزية والمساءلة العامة.
خاتمة توعوية
تُعيد هذه القضية التذكير بأهمية الشفافية والمحاسبة، أياً كانت مكانة الشخص أو رمزيته. فالموقع العام، سواء في مؤسسة حكومية أو ملكية، يحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية لا تنفصل عن ثقة الناس، وهي الثقة التي لا يمكن الحفاظ عليها إلا بمراجعة الذات والتصرف وفق قيم النزاهة والمصلحة العامة.
اقرأ المزيد












