وطن-تشهد الساحة الإيرانية في الأسابيع الأخيرة توتراً متصاعداً، إذ تتقاطع القضايا الحقوقية مع التحولات السياسية والأمنية في مشهد واحد يعكس طبيعة المرحلة الراهنة في البلاد. وبين استمرار احتجاز طلاب في سن الدراسة، وإصدار أحكام بالإعدام على محتجين، واستبعاد شخصيات إصلاحية من الانتخابات البلدية، تزداد الأسئلة حول آفاق الانفراج الداخلي.
أحكام بالإعدام تثير الجدل الحقوقي
أعلنت تقارير رسمية إيرانية أن سبعة من المعتقلين على خلفية الاحتجاجات الأخيرة ضد السلطات أُدينوا بالإعدام، في أول تأكيد رسمي من داخل البلاد بعد أسابيع من تقارير منظمات حقوقية خارجية تحدثت عن “عشرات الأحكام المماثلة”.
المحامي حسن آقاخاني، الذي يتولى الدفاع عن ثلاثة من المحكومين بالإعدام – وهم محمد أمين بيكرلي (19 عاماً)، ياسر رجائيفر (31 عاماً)، وشهاب زهدي (40 عاماً) – أوضح أن الأحكام صدرت في 7 فبراير، مشيراً إلى أن فريق الدفاع، ومن بينهم المحامية مريم صدر نيا، ما زال محرومًا من الوصول إلى ملفات القضايا أو الوثائق القضائية ذات الصلة.
وقال آقاخاني إن المعلومات المتاحة عن الحوادث التي استندت إليها الإدانة “غير واضحة”، مضيفاً أن أربعة آخرين – أبوالفضل صالحي سياوشاني، أمير حسين حاتمي، شاهين واهديپرست، وعلي فهيم – صدرت بحقهم أحكام مماثلة في الملف نفسه.
في سياق مماثل، أشارت منظمات حقوقية إلى أن تنفيذ أحكام إعدام سابقة في احتجاجات ماضية كان يتم بسرعة لردع المتظاهرين، غير أن تأجيل الإعلان هذه المرة جاء بعد تحذير أمريكي، قال فيه الرئيس دونالد ترامب إن بلاده قد ترد عسكرياً إذا نُفذت هذه الأحكام.
الطلاب بين وعود الإفراج واستمرار الاحتجاز
بعد مرور أسبوع على إعلان وزير التعليم الإيراني عليرضا كاظمي أن جميع الطلبة الموقوفين في احتجاجات يناير أُطلق سراحهم، تؤكد مصادر مستقلة أن عدداً من القُصَّر ما زالوا رهن الاعتقال.
المتحدث باسم مجلس نقابات المعلمين، محمد حبيبي، فنّد تصريحات الوزير قائلاً إن المعلومات الميدانية “تثبت استمرار احتجاز طلاب تقل أعمارهم عن 18 عاماً”، وأضاف أن نحو 50 طالباً ما زالوا في السجون، لكن عائلاتهم تتجنب الحديث للإعلام خشية تعقيد إجراءات الإفراج عن أبنائها.
وأشار حبيبي إلى أن السلطات التعليمية حاولت تبرير التباين في الأرقام بالقول إن الموقوفين دون الثامنة عشرة من غير المسجلين في المدارس، وبالتالي لا تقع مسؤوليتهم على الوزارة، إلا أن المحامي علي مجتهدزاده رفض هذا الطرح.
وأوضح مجتهدزاده أن «القانون يضمن معاملة خاصة لكل من هم في سن الدراسة حتى لو لم يكونوا مسجلين فعلياً»، مطالباً بتطبيق الحماية القانونية الكاملة على هؤلاء القاصرين.
استبعاد المرشحين الإصلاحيين يعمّق الأزمة السياسية
وفي تطور سياسي أثار تساؤلات واسعة، أظهرت القوائم النهائية للمرشحين لانتخابات المجالس البلدية والقروية استبعاد معظم شخصيات التيار الإصلاحي وبعض المحافظين المعتدلين. وستُجرى الانتخابات في أبريل القادم، لكن المراقبين يرون أن حجم الإقصاء يكشف عن تضييق متزايد في الساحة السياسية المحلية.
صحيفة اعتماد الإيرانية وصفت موجة الاستبعادات بأنها «تتجاوز الصراعات الحزبية»، معتبرة إياها مؤشراً على انكماش البنية السياسية في المؤسسات المحلية.
أما السياسي الإصلاحي إسماعيل كرّامي مقدم، الذي ألغيت أهليته للترشح، فاعتبر أن هذا النهج «يضر بالبلاد في مرحلة تواجه فيها إيران ضغوطاً خارجية وتوتراً داخلياً»، مشيراً إلى أن الجهات الرسمية «لم تغيّر بعد أسلوبها في إدارة الاختلاف السياسي».
وعلى الرغم من محدودية سلطة المجالس البلدية في إيران، فإن عضويتها – خصوصاً في المدن الكبرى مثل طهران – تُعد بوابة مؤثرة للانتقال إلى مواقع برلمانية أو تنفيذية لاحقة، ما يجعل نتائجها محل اهتمام واسع.
“رسالة حرب” مزيفة تهز الهواتف الإيرانية
في خضم هذه التطورات، أعلنت الشرطة الإيرانية أن رسالة نصية جماعية وصلت إلى عشرات الآلاف من الهواتف المحمولة داخل البلاد، تزعم صدور أمر بالهجوم على إيران من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت نتيجة عملية “اختراق إلكتروني”.
وأوضحت السلطات أن نحو 50 ألف شخص تلقوا الرسالة التي نصّت على عبارة تحريضية موجهة إلى “الشعب المظلوم في إيران”، فيما أكدت التحقيقات الأولية أن مصدر الاختراق خارجي من دون تحديد الجهة المسؤولة.
وأكدت الشرطة أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها منظومة الرسائل الوطنية للاختراق، إذ سبق وأن جرى استغلالها العام الماضي، عقب النزاع العسكري مع إسرائيل، لنشر رسائل إنذار باندلاع هجمات وشيكة.
واقع مثقل بالأسئلة
بين الغموض القضائي الذي يلف ملفات الإعدام، والقلق الذي تعيشه أسر الطلاب الموقوفين، والتراجع في مساحات المشاركة السياسية، تبدو إيران أمام اختبار داخلي صعب تتشابك فيه الأبعاد الحقوقية والسياسية والأمنية.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى الأمل في أن تشهد المرحلة المقبلة مراجعة توازن بين الحفاظ على الاستقرار واحترام حقوق المواطنين، ولا سيما الشباب الذين يمثلون مستقبل البلاد.
اقرأ المزيد
توتر متصاعد في مياه الخليج: مفاوضات إيرانية‑صينية لتطوير القدرات الصاروخية وسط مخاوف أمريكية متجددة
الغارديان: مستشفى إيراني يوثّق مئات الإصابات بالرصاص في العيون خلال القمع العنيف للاحتجاجات
احتجاجات إيران تتصاعد بين الغلاء والانهيار الاقتصادي وامتحان بقاء النظام












