وطن-في زمنٍ تتقاطع فيه التكنولوجيا بالسياسة والمال، أثارت قضية يبدو ظاهرها “رهاناً رقمياً” جدلاً واسعاً في إسرائيل والولايات المتحدة، بعدما تبيّن أنّ مستخدماً على منصة مراهنات شهيرة تمكّن من تحقيق أرباح طائلة عبر التنبؤ بتوقيت هجمات عسكرية بدقة لافتة.
تحقيق في رهانات على الحرب
أعلنت الشرطة الإسرائيلية بدء تحقيق رسمي حول نشاط حساب يحمل اسم “Magamyman” في موقع المراهنات الأمريكي “Polymarket”، بعد أن نجح صاحبه في تحقيق ربحٍ تجاوز 430 ألف دولار إثر توقعه الصحيح لضربة أمريكية على إيران في 28 فبراير. وأفادت تقارير صحفية إسرائيلية بأنّ هذه ليست المرة الأولى التي يتوقع فيها المستخدم أحداثاً مشابهة تتعلّق بإيران، منها هجمات نفذتها إسرائيل سابقاً.
وبحسب مصادر أمنية إسرائيلية، فإن المستخدم نفسه كان قد ربح مبالغ كبيرة عام 2024 بعد مراهنته على هجوم إسرائيلي وقع فعلياً في 26 أكتوبر، وهو ما دفع السلطات إلى الاشتباه بامتلاكه معلومات داخلية سرية، أو أن الأمر لا يعدو كونه سلسلة مصادفات نادرة الحدوث.
اقتصاد المراهنات على الأحداث السياسية
تعمل منصة Polymarket على أساس يسمح للمشاركين بالمراهنة على احتمالات وقوع أحداث سياسية واقتصادية وحتى عسكرية، مثل نتائج الانتخابات أو اندلاع الحروب أو سقوط الحكومات. وقد بلغ حجم المراهنات المرتبطة بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران أكثر من 529 مليون دولار، من بينها 90 مليون دولار خُصصت لتوقع اندلاع الحرب في 28 فبراير، و42 مليون دولار توقعت بدءها قبل ذلك بشهر تقريباً.
هذا النمط من المقامرات يطرح أسئلة حساسة بشأن شفافية الأسواق الرقمية، إذ يتخوف خبراء من أن تُستغل توقيتات القرارات السرية أو التحركات العسكرية في تحقيق أرباح تجارية ضخمة من قبل أشخاص مطلعين على ما يدور خلف الأبواب المغلقة.
اشتباه بمعلومات سرية
لا تتوقف التكهنات عند الجانب الإسرائيلي، إذ أشارت شبكة NPR الأمريكية إلى أنّ سجل المستخدم ذاته أثار قلقاً داخل الأوساط الأمريكية، خصوصاً بعد رهان آخر بقيمة 553 ألف دولار على تغيير في القيادة الإيرانية قبيل مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في هجوم إسرائيلي. وقد دفع ذلك لتكهنات حول ما إذا كانت البيانات الاستخباراتية تُتَداول بشكل غير قانوني عبر منصات المراهنات.
ردود واشنطن ومواقف سياسية
في واشنطن، تفجّر نقاش سياسي حاد بعد اكتشاف أن بعض الرهانات المربحة بلغت 1.2 مليون دولار توقعاً لضربة أمريكية على إيران. السيناتور الديمقراطي كريس مورفي وصف على منصة “إكس” السماح بمثل هذه الممارسات بأنه “جنون قانوني”، مشدداً على أنه سيقدم مشروع قانون عاجل لتجريم المراهنات على قرارات الحرب والموت، كما قال.
وعلى الرغم من نفي البيت الأبيض وجود علاقة لأي من المقربين من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بتلك المراهنات، إلا أن تقارير إعلامية ذكّرت بارتباطات وثيقة بين عائلة ترامب وشركة Polymarket. إذ يشغل دونالد ترامب الابن موقع مستشار في المنصة، كما ضخّ صندوق رأس المال المخاطر الذي يملكه استثمارات بملايين الدولارات فيها. كما أُشير إلى أن إدارة ترامب أوقفت تحقيقين كانا قد فُتحا ضد الشركة في عهد الرئيس جو بايدن.
هواجس أمنية وأخلاقية
توسّع ظاهرة المراهنة على أحداث سياسية وأمنية حساسة يثير قلقاً متزايداً لدى سلطات إنفاذ القانون، مع الإشارة إلى أن الشرطة الإسرائيلية كانت قد اعتقلت في فبراير عدداً من الجنود للاشتباه باستخدامهم معلومات سرّية للمراهنة عبر الإنترنت. وتتعامل الأجهزة الأمنية مع هذه القضايا كملفات ترتبط بالأمن القومي وليس فقط بالجريمة المالية.
خاتمة: بين الربح والمخاطرة الأخلاقية
هذه القضية تفتح باباً واسعاً للنقاش حول حدود ما يمكن تداوله في أسواق المراهنات الرقمية، وأين يفصل القانون بين التوقع المشروع والتسريب غير القانوني. ففي عالم تتقاطع فيه السياسة بالمصالح الاقتصادية، يبدو أن السؤال الأخطر لم يعد “من يربح المال؟” بل “على حساب من يتحقق هذا الربح؟”.
اقرأ المزيد
حريق في مركز بيانات لـ«أمازون» بالإمارات وسط توتر إقليمي متصاعد
تصاعد الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني 2026 واشتعال شرارة حرب عالمية محتملة












