وطن-قبل ما يقارب ألفي عام، كتب الفيلسوف الروماني سينيكا قائلاً: “لا رياح مواتية لمن لا يعرف إلى أي ميناء يتجه.” واليوم، يجد هذا القول صدى عميقاً في المشهد السياسي والعسكري الذي يرافق المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يخوض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حرباً بلا أهداف محددة، ولا رؤية واضحة لما يمكن أن تكون عليه النهاية.
سياق مضطرب ومشهد متفلت
منذ انطلاق العمليات العسكرية ضد إيران، تغيب عن الموقف الأمريكي أي ملامح لاستراتيجية متماسكة أو مبرر سياسي واضح. فالعمليات الجارية لم تحظَ بموافقة الكونغرس، ولا تستند إلى تفويض دولي من الأمم المتحدة، ما جعلها تبدو كتحرك أحادي الطابع، مكلف سياسياً وعسكرياً، دون أن يغدو شعار “إعادة العظمة لأمريكا” أكثر من عبارة فارغة.
وفي مقابل هذا الارتباك الأمريكي، تبدو إسرائيل الطرف الوحيد الذي يعرف ما يريد. فحكومة بنيامين نتنياهو دأبت، منذ سنوات، على جعل المواجهة مع خصومها محوراً لسياستها الإقليمية. من غزة إلى لبنان، ثم إلى الصدام المتجدد مع طهران خلال أقل من سبعة أشهر، تتخذ إسرائيل من التصعيد وسيلة لتحقيق طموحات الهيمنة وتوسيع النفوذ في الشرق الأوسط.
حرب استنزاف طويلة الأمد
أما إيران، فاختارت بدورها طريق الصمود الطويل. فعوضاً عن الانهيار تحت الضغط، حوّلت المواجهة إلى حرب استنزاف تُرهق خصومها أكثر مما تُضعفها. هذا النمط من الصراع بدأ يترك أثراً واضحاً على الرأي العام الأمريكي والإسرائيلي، فيما يتعامل الإيرانيون مع الوضع باعتباره معركة تُفرض عليهم لا تُشنّ باسمهم.
وفي الوقت الذي ترتفع فيه كلفة الصراع يوماً بعد يوم، تتعرض القواعد الأمريكية في المنطقة لهجمات متكررة، وتحولت منشآت في الخليج إلى أهداف لصواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية. أمّا مضيق هرمز، الشريان الحيوي للطاقة العالمية، فقد بات مهدداً بالإغلاق، ما ينعكس مباشرة على أسواق أوروبا ومعدلات النمو فيها.
مأزق واشنطن وعزلة تتسع
في ظل هذه التطورات، لجأ ترامب إلى محاولة تدويل الأزمة، داعياً الدول الأوروبية إلى المشاركة في حماية مضيق هرمز، وإرسال وحدات من مشاة البحرية إلى الخليج، رغم تحفّظ البنتاغون. لكن المبادرة جاءت متأخرة، إذ رأت أوروبا أن الانخراط في الحرب مغامرة غير محسوبة العواقب، ما دفعها إلى الرفض، لترد واشنطن بتهديدات تمسّ تماسك حلف شمال الأطلسي. ومع انضمام اليابان وأستراليا إلى الموقف الأوروبي، اتسعت دائرة العزلة حول الإدارة الأمريكية.
في المقابل، أكدت طهران أن الملاحة في المضيق ستبقى مفتوحة أمام الدول التي لا تشارك إسرائيل أو الولايات المتحدة في الحرب، ما يعكس تمييزاً دقيقاً بين مَن تعتبرهم خصوماً ومَن تراهم شركاء محتملين في الاستقرار.
حرب بلا خطة ولا نهاية معلومة
هذه الفوضى في القرارات الأمريكية تكشف، بحسب مراقبين، أن ترامب دخل حرباً بلا خريطة طريق، يسير فيها وفق إملاءات نتنياهو أكثر مما يستند إلى منطق استراتيجي متزن. ومن هنا، باتت واشنطن تتخبط بين خطوات متناقضة، حيناً تصعّد، وحيناً تبحث عن وساطة، كما لو كانت سياساتها ترسمها ردود الأفعال لا الحسابات المدروسة.
الصورة الجوية لجزيرة “قشم” الإيرانية، المطلّة على مضيق هرمز، تختصر المشهد بأكمله: مياه ضيقة تربط الشرق بالغرب، لكنها اليوم رمز لصراع مفتوح على كل الاحتمالات.
عزلة استراتيجية ونتائج عكسية
لم تعد الولايات المتحدة تمتلك تحالفاً بحرياً فعّالاً في المضيق، كما لم يعد حلفاؤها الإقليميون قادرين على تجنب تداعيات الصراع. أما إسرائيل، التي تصورت أنها ستخرج من المواجهة أكثر قوة، فقد أصبحت أهدافها تحت وابل من الصواريخ الباليستية العنقودية، لتكتشف أن سياساتها الهجومية لم تحقق لها مكسباً استراتيجياً يذكر.
ختام توعوي
في السياسة الدولية، لا يكفي امتلاك القوة إذا غابت البوصلة. فحين يصبح الاتجاه ضبابياً، يفضل الحليف الابتعاد خشية الانجراف في عاصفة بلا وجهة. واليوم، يبدو أن واشنطن بدأت تتلمس ثمن حروبها غير المحسوبة، فيما المنطقة بأسرها تتساءل: من يقود السفينة وكيف ستصمد وسط رياحٍ لا تهدأ؟
اقرأ المزيد
سيناتور أمريكي: ترامب أخطأ في قراءة المنطقة وإيران تفرض واقعاً جديداً
هل يستطيع ترامب إنهاء الحرب مع إيران؟ تحليل يكشف مأزق الحرب التي بدأها بنفسه
بعد 4 أيام من اتهام إيران.. تحقيق عسكري يحرج ترامب: “صواريخنا هي من قتلت الأطفال في مدرسة ميناب”












