وطن-في خضمّ التصعيد المتسارع في المنطقة، يبرز سؤال جوهري يتجاوز ضجيج الصواريخ والانفجارات: هل تُحسن إيران توجيه ضرباتها، أم أنها، من حيث لا تدري، تُعيد رسم المعركة بطريقة تخدم خصومها أكثر مما تُؤلمهم؟
المشهد، في ظاهره، يبدو كتصعيد مباشر ضد خصوم تقليديين، لكنه في العمق يكشف مفارقة مقلقة. فعندما تتجه الضربات نحو الخليج، فإن أثرها لا يصل فعليًا إلى مراكز القرار لدى بنيامين نتنياهو، ولا يُحدث ارتباكًا حقيقيًا لدى دونالد ترامب، بل يمنحهما، على العكس، فرصة لإعادة ترتيب المشهد بما يتوافق مع مصالحهما الاستراتيجية.
في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة المستفيد الأول من أي توتر يطال منطقة الخليج، حيث تتعزز مكانتها كضامن أمني، وتُحكم قبضتها أكثر على سوق الطاقة العالمي. وفي المقابل، تجد إسرائيل متنفسًا مهمًا، إذ يتراجع الضغط العسكري المباشر عليها، وتتحول الأنظار—والنيران—بعيدًا عن جبهتها.
هذه الديناميكية لا تُعيد فقط توزيع الضربات، بل تُعيد هندسة الصراع ذاته. فبدل أن تتركز المواجهة في مسارها المباشر، تنزلق إلى مسارات جانبية أكثر تعقيدًا، حيث تصبح دول الخليج جزءًا من المعادلة، لا كوسطاء أو أطراف داعمة، بل كأهداف محتملة، ما يرفع منسوب التوتر الإقليمي إلى مستويات غير مسبوقة.
الأخطر من ذلك، أن هذا التحول يفتح على إيران جبهات جديدة في لحظة لا تبدو فيها بحاجة إلى مزيد من الاستنزاف. فكل جبهة إضافية تعني موارد أكثر، وضغوطًا أكبر، وتعقيدًا متزايدًا في الحسابات العسكرية والسياسية. وفي بيئة إقليمية مشتعلة أصلًا، قد يتحول أي احتكاك إضافي إلى شرارة يصعب احتواؤها.
دول الخليج، من جانبها، لا تنظر إلى هذه التطورات بوصفها أحداثًا عابرة. فاستهداف منشآت الطاقة أو الاقتراب منها يُعدّ تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، ما قد يدفع إلى ردود فعل تتجاوز الحسابات التقليدية. ومع أول رد، قد تتسع دائرة النار بسرعة، لتتحول من صراع محدود إلى مواجهة متعددة الأطراف، لا يمكن التنبؤ بمآلاتها.
في خضم ذلك، يبرز سؤال أكثر حساسية: من الرابح؟ فالإجابة، وإن بدت قاسية، تشير إلى أن إسرائيل قد تكون في موقع المستفيد، ليس بالضرورة عبر التفوق المباشر، بل عبر إعادة توجيه مسار الصراع بعيدًا عنها. فكلما تراجعت حدة الضغط على جبهتها، وكلما انشغلت أطراف أخرى ببعضها، تعزز موقعها الاستراتيجي.
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، أن إيران، رغم خطابها المعلن حول مواجهة إسرائيل، لم تُوجّه ضرباتها نحو تل أبيب بشكل مباشر إلا في سياقات ردّ الفعل، بينما شهدت المنطقة في مراحل مختلفة توجيه ضربات عبر حلفائها إلى عواصم عربية، ما خلق فجوة في الثقة وأثار تساؤلات عميقة حول الأولويات.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الذاكرة القريبة، خصوصًا ما حدث في سوريا، حيث خلّفت سنوات الحرب جروحًا لم تندمل، وأسهمت في تشكيل مواقف متباينة ومعقدة لدى الرأي العام، بما في ذلك مشاعر متناقضة بين التعاطف والشماتة.
ورغم كل ذلك، تبقى الحقيقة أكثر تعقيدًا من اختزالها في ثنائيات حادة. فإيران، بحكم الجغرافيا والتاريخ، جزء من نسيج هذه المنطقة، مهما بلغت حدة الخلاف معها. في المقابل، تُطرح إسرائيل في كثير من الخطابات السياسية ككيان ذي طبيعة مختلفة، ما يجعل المقارنة بين الطرفين محكومة بسياقات أعمق من مجرد صراع عسكري.
لكن هذه التعقيدات لا تُبرر، بأي حال، توسيع دائرة النار. فاستهداف محيط إقليمي حساس، خاصة إذا طال المدنيين أو مقومات الحياة، لا يمكن اعتباره مجرد خطأ تكتيكي، بل هو انزلاق نحو خطأ استراتيجي قد تكون كلفته أعلى بكثير من أي مكسب محتمل.
في النهاية، الحروب لا تُكسب بتعدد الجبهات، بل بإحكام إدارتها. وكل جبهة جديدة تُفتح، هي بالضرورة استنزاف إضافي، وكل خصم جديد يدخل المعادلة، هو فرصة تُمنح للخصم الأول.
وإذا اشتعل الخليج فعلًا، فقد لا يحتاج دونالد ترامب ولا بنيامين نتنياهو إلى فعل الكثير. يكفي أن يراقبا المشهد… بينما تعيد المنطقة إشعال نفسها بنفسها.
حينها فقط، قد يتضح أن ما بدا كخطوة هجومية، لم يكن سوى اقترابٍ غير محسوب من فخٍّ مُحكم.
اقرأ المزيد
تطور خطير.. هجوم إيراني مباشر يستهدف قلب البرنامج النووي الإسرائيلي في “ديمونا”
طبول الحرب ترفع أسعار النفط.. والأسواق العالمية تترقب تداعيات القصف المتبادل في الشرق الأوسط
أسعار الطاقة تقفز عالمياً وسط مخاوف التضخم.. إغلاق مضيق هرمز يوقف إنتاج النفط والغاز في قطر والعراق












