وطن-تتجه الأنظار مجددًا إلى شرق ليبيا بعد أن كشفت تقارير أمريكية عن توقيع شركة ضغط سياسي مقربة من الإدارة الأمريكية السابقة عقدًا بملايين الدولارات لتمثيل القائد العسكري خليفة حفتر، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل البلاد بعيدًا عن المسار الانتخابي المتعثر.
ووفقًا لوثائق إفصاح قانوني نشرتها صحف أمريكية، حصلت شركة «بالارد بارتنرز»، التي تضم في صفوفها عددًا من المسؤولين السابقين في إدارة دونالد ترامب، على عقد بقيمة مليوني دولار لتقديم خدمات الضغط السياسي لصالح حفتر ونجله صدام، الذي يتولى رئاسة أركان القوات البرية ضمن ما يُعرف بـ«الجيش الوطني الليبي».
خلفية الصراع ومسؤوليات ثقيلة
منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي عام 2011، ما تزال ليبيا تعيش حالة من الانقسام العميق بين سلطات متنافسة في الشرق والغرب، تخللتها صراعات مسلحة وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة. وفي هذا المشهد المضطرب، برز حفتر كقائد فعلي للمنطقة الشرقية والجنوبية، بينما تسيطر حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة على العاصمة طرابلس وغرب البلاد.
يأتي العقد الجديد في وقت تشير فيه تقارير إلى أن شخصيات مقربة من إدارة ترامب تعمل على صياغة ترتيب لتقاسم السلطة بين حفتر والدبيبة، يسمح للأول بالحفاظ على سيطرته العسكرية والأمنية، فيما يستمر الثاني في رئاسة السلطة التنفيذية المدنية من دون المرور عبر صناديق الاقتراع.
انتقادات حقوقية وتحذيرات دولية
على الصعيد الحقوقي، تواجه قوات حفتر اتهامات متكررة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تشمل التعذيب والإعدام الميداني وسوء معاملة المحتجزين في مراكز الاحتجاز الخاضعة لسيطرته.
منظمة هيومن رايتس ووتش طالبت مرارًا بفتح تحقيقات جادة في هذه الانتهاكات، مؤكدة أن من يخالفون حفتر أو أحد أفراد عائلته قد تعرّضوا، وفق شهادات موثقة، للقتل أو التهجير القسري أو التعذيب.
حنان صلاح، مساعدة مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، وصفت التقارب مع شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات بأنه “أمر بالغ الخطورة”، معتبرة أن “التعامل السياسي مع هؤلاء قبل محاسبتهم يعمّق ثقافة الإفلات من العقاب، ويعيد إنتاج النخبة التي تسببت في معاناة الليبيين”.
معارك قضائية في الولايات المتحدة
حفتر يواجه أيضًا سلسلة من الدعاوى القضائية في المحاكم الأمريكية رفعتها أسر ليبية تتهمه بتعذيب وقتل أقربائها خلال العمليات العسكرية التي قادها. وفي عام 2022، أصدرت محكمة أمريكية حكمًا يدينه بارتكاب جرائم حرب ضد عدة عائلات ليبية، رغم أن فريقه القانوني دأب على نفي جميع الاتهامات، وتمكّن من إسقاط بعض القضايا بينما لا تزال أخرى قيد النظر القضائي.
أبعاد تثير القلق في مستقبل الحل الليبي
يرى مراقبون أن الخطوة الجديدة لمنح عقد الضغط لحفتر تأتي ضمن محاولة لتثبيت نفوذ عائلته في الشرق الليبي؛ إذ يشغل أبناؤه الخمسة مواقع حساسة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، ويُعتقد أن صدام حفتر هو الأوفر حظًا لخلافة والده. وقد ذكرت السفارة الأمريكية في ليبيا أن صدام أجرى مؤخرًا لقاءات مع ماساد بولوس، المستشار السابق لترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، ومع القائم بالأعمال الأمريكي في ليبيا جيريمي برنت.
من جهتها، نقلت تقارير استخباراتية أفريقية أن بولوس يدرس خطة لتقاسم السلطة بين حفتر والدبيبة، متجاوزًا فكرة الانتخابات التي طال انتظارها. هذا الطرح، إن تم، سيمثل تحولًا في المسار السياسي قد يُبقي ليبيا في حلقة جديدة من الجمود والانقسام.
دعوة إلى تحرك مسؤول
في ظل هذه التطورات، يحذر ناشطون ليبيون ومنظمات دولية من أن أي ترتيبات سياسية تتجاهل المساءلة والعدالة قد تُجهض فرص الاستقرار الدائم في البلاد. ويؤكدون أن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تُبنى على إقصاء العدالة أو منح الحصانة لمن وُجهت لهم اتهامات بانتهاك حقوق المواطنين.
وبين معادلات النفوذ وأحلام التحول الديمقراطي، يبقى الشعب الليبي هو الطرف الأكثر انتظارًا لحلّ ينهي معاناته الطويلة ويضعه على طريق دولة القانون والمؤسسات.
قد يعجبك
مصر والسعودية تعرضان دعمًا لحفتر مقابل إنهاء نفوذ الإمارات في ليبيا والسودان












