وطن-يشهد المشهد الأوروبي هذه الأيام حراكًا سياسيًا متسارعًا حول موقع تنظيم الإخوان المسلمين ودوره داخل المجتمعات الغربية، بعد أن صوّت البرلمان الهولندي مؤخرًا لصالح مقترح يحظر الجماعة ويجمد نشاطاتها. خطوة وصفها مراقبون بأنها تعكس تحولًا واضحًا في الموقف الغربي عامةً من الإسلام السياسي، وتُمهّد لمراجعة أوسع تشمل دول الاتحاد الأوروبي كافة.
لم يقتصر القرار الهولندي على الحظر الرمزي، بل تضمن سلسلة من الإجراءات العملية، منها فرض عقوبات محتملة وتجميد أصول وحظر تمويل المؤسسات المرتبطة بالتنظيم، مع تعزيز التنسيق الأمني بين الدول الأوروبية. وجاءت هذه الخطوة استنادًا إلى تقرير حكومي فرنسي صدر في مايو الماضي، حذّر من أثر الجماعة الأيديولوجي والمؤسسي على المدى الطويل داخل أوروبا.
وفي الوقت الذي حُظرت فيه الجماعة رسميًا في النمسا بموجب قوانين مكافحة الإرهاب والتطرف، تخضع في ألمانيا لرقابة أمنية مشددة، باعتبارها تهديدًا للنظام الديمقراطي. ومع ذلك، ما زالت أنشطتها مستمرة في عدد من الدول الأوروبية بهياكل متفرقة وواجهات اجتماعية ودينية متنوّعة.
شبكات خفية ووسائل “ناعمة”
تفيد منصّة “Visegrád 24” بأن الإخوان المسلمين عملوا، على مدى عقود، على بناء شبكة واسعة من المؤسسات والقادة والمنظمات المنتسبة في أوروبا، مستخدمين ما تسميه “الأساليب الناعمة”؛ أي الاندماج الهادئ داخل المجتمعات الديمقراطية مع الحفاظ على أهدافهم العقائدية.
ويصف التقرير الجماعة بأنها واحدة من أقدم وأوسع الحركات الإسلامية تأثيرًا، تأسست في مصر عام 1928 بهدف إقامة مجتمع تحكمه الشريعة الإسلامية، عبر التغيير التدريجي ضمن الأطر القانونية والسياسية القائمة.
وعلى الرغم من هذا الخطاب المعلن، ترى المنصة أن الجماعة تستغل بيئة الحريات الأوروبية لإقامة شبكة غير مركزية من المؤسسات، تعمل كمنظومة منسقة على مستوى القارة. فلكل بلد قيادة محلية، بينما يجري الربط بينها عبر مؤسسات تنظّم العمل العابر للحدود، ومنها مجلس المسلمين في أوروبا الذي يُعد من مراكز التنسيق الرئيسة.
أما من ناحية التمويل، فقد استند التنظيم تاريخيًا إلى تبرعات من دول عربية، إلا أن الدعم المالي بات مرتبطًا مؤخرًا بجهات في الشرق الأوسط وبأنشطة استثمارية في العقارات والتبرعات المحلية، ما وفر مصدرًا مستقرًا للإنفاق. كما ضخت الجماعة موارد كبيرة في استقطاب الشباب والطلاب، من خلال منظمات مثل منتدى الشباب والطلبة المسلمين في أوروبا، وهو ما أتاح لها ترسيخ نفوذها داخل الجامعات وتكوين نخب شبابية تتبنى فكرها في الفضاء الأوروبي.
مخاوف أمنية أوروبية من “الخطر المستتر”
يرى صحفيون وخبراء في شؤون الجماعات المتطرفة، منهم الكاتب الإسباني خوسيه مانويل زولواغا، أن الخطر الذي تمثله الجماعة في أوروبا «متخفٍ لكنه فعال»، مشيرًا إلى أن وجودها في إسبانيا تحديدًا يثير قلق الأجهزة الأمنية.
ويؤكد زولواغا أن دولًا مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والنمسا بدأت بالفعل إجراءات قانونية ضد الجماعة باعتبارها تهديدًا للأمن القومي بسبب صلاتها المفترضة بجماعات متطرفة تدعمها أو تموّلها. وهو يرى أن الخطر ذاته «موجود داخل المجتمع الإسباني»، حتى وإن لم يظهر علنًا.
ويشير إلى أن تنظيم الإخوان و”داعش” يشتركان في الأهداف، رغم اختلاف الأدوات؛ فالأول يعتمد على نهج طويل الأمد للتغلغل داخل المؤسسات والمجتمع، بينما يتبع الثاني العنف كطريق مباشر. والنتيجة، بحسب قوله، هي السعي نحو نظام ديني متشدد يحمل سمات الإقصاء ورفض التعدد.
صعوبة المواجهة القانونية
يطرح الخبراء تحديًا إضافيًا يتمثل في الطبيعة غير المركزية للتنظيم داخل الدول الأوروبية. في إسبانيا مثلًا، لا توجد بنية تنظيمية رسمية أو أسماء شركات واضحة يمكن ربطها بالجماعة قضائيًا، ما يجعل إثبات التهم أو ملاحقة الأفراد عملية معقدة تتطلب تنسيقًا أمنيًا واستخباراتيًا رفيع المستوى.
ويحذر مختصون من أنّ إهمال هذا الملف قد يفتح الباب أمام انتشار تطرف «صامت» يصعب رصده، ويهدد التعايش والسلم الاجتماعي في القارة التي تستضيف ملايين المسلمين.
وعي أوروبي متأخر… وإعادة نظر في العلاقة مع الإسلام السياسي
يرى محللون أن الخطوة الهولندية ليست إلا بداية نقاش أوسع حول علاقة أوروبا بالتنظيمات الإسلامية العابرة للحدود، وضرورة التفريق بين العمل الدعوي المشروع والمسارات الأيديولوجية التي تستهدف البنية السياسية للمجتمعات الغربية.
ويؤكد هؤلاء أن الوقاية لا تكمن في التضييق الأمني فقط، بل في بناء وعي متبادل بين المجتمعات المحلية والمواطنين المسلمين يحاصر خطاب الكراهية من الجانبين، ويحول دون استغلال الدين كأداة سياسية.
الجدل الدائر في أوروبا اليوم لا يخص تنظيمًا واحدًا بقدر ما يعكس صراعًا أعمق بين حرية المعتقد ومتطلبات الأمن. وبينما تتجه دول نحو الحظر والمراقبة، تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة تعالج جذور التطرف دون أن تمس تماسك النسيج الاجتماعي. فالخطر الحقيقي ليس في الأسماء والتنظيمات فقط، بل في المساحات الرمادية التي ينمو فيها التطرف بصمت، إن غاب عنها الحوار والوعي.
قد يعجبك
لأنها لم تعلن الإخوان منظمة إرهابية.. الإمارات تقلّص بعثاتها الطلابية إلى بريطانيا
ترامب يصنف فروع الإخوان كمنظمات إرهابية ويثير جدلاً إقليمياً
بين مطرقة “اليمين” وسندان “الإسلاموفوبيا”: صراع البقاء للمرشحين العرب في فرنسا
رحلة الصعود بعد القمع: كيف أعادت “جماعة الإسلام” صياغة دورها السياسي في بنغلاديش؟












