وطن-في تقدير نادر من أرفع مسؤول استخباراتي بريطاني سابق، اعتبر السير أليكس يونغر، المدير الأسبق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6)، أن الولايات المتحدة فقدت زمام المبادرة لصالح إيران في الصراع الدائر بينها وبين إسرائيل، مشيرًا إلى أن طهران أثبتت قدرة ميدانية وسياسية فاقت توقعات الغرب.
وخلال مقابلة إذاعية مع مجلة ذي إيكونوميست في مارس/آذار 2026، أوضح يونغر أن واشنطن «أساءت تقدير حجم التحدي»، مشيرًا إلى أن التطورات خلال الأسبوعين الأخيرين أظهرت بوضوح انتقال المبادرة إلى يد الإيرانيين. وأضاف أن النظام الإيراني «أظهر قدرًا من الصلابة لم يكن متوقعًا»، بفضل قرارات مبكرة اتخذها منذ منتصف العام الماضي بتوزيع مراكزه العسكرية وتفويض قادته باستخدام السلاح بشكل لامركزي، ما منحه قدرة أكبر على الصمود في وجه الحملة الجوية الأمريكية والإسرائيلية.
وأشار يونغر إلى أن تصريحات متكررة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عززت في ذهن القيادة الإيرانية فكرة أنهم يخوضون «حرب وجود» لا خيار فيها، في حين أن واشنطن اختارت حربًا «طوعية» تنطلق من حسابات سياسية أكثر منها استراتيجية، مما جعل الكفة تميل إلى طهران من حيث القدرة على الاستمرار والصمود.
حرب تتسع وقرار ناقص الرؤية
بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، عبر سلسلة من الضربات الواسعة التي استهدفت مواقع داخل البلاد وأدت إلى مقتل عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، بينهم المرشد الأعلى الأسبق علي خامنئي ورئيس مجلس الأمن القومي الأسبق علي لاريجاني. إلا أن الرد الإيراني جاء سريعًا، حيث استهدفت طهران قواعد أمريكية في الخليج وسيطرت عسكريًا على مضيق هرمز الحيوي، الذي تمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية.
وفي واشنطن، وجّه عدد من أعضاء مجلس الشيوخ انتقادات حادة للإدارة الأمريكية، معتبرين أنها دخلت الحرب بلا خطة ولا رؤية سياسية واضحة، وأن مساعي «تغيير النظام» ليست ضمن أهدافها المعلنة، كما لم يكن الخطر النووي الإيراني مبررًا حقيقيًا لإطلاق العمليات العسكرية.
“إيران تلعب أوراقها الضعيفة بذكاء”
وبحسب يونغر، فإن إيران استخدمت نهج «التصعيد الأفقي» عبر توسيع نطاق المواجهة لتشمل أهدافًا في الخليج العربي، ما وضع ضغوطًا مباشرة على القوات الأمريكية هناك. وأوضح أن طهران أدركت أهمية «الحرب على الطاقة» وأبقت مضيق هرمز تحت التهديد، مما منحها «ورقة قوة» في إدارة الصراع. وأضاف: «لقد أحسنوا استخدام أوراقهم رغم محدوديتها».
ويرى يونغر أن السيطرة على المضيق الحساس تمثل اليوم مصدر التفوق الإيراني في المعركة، مؤكدًا أن الغرب بات يواجه وضعًا استراتيجيًا معقدًا يصعب التراجع عنه دون خسارة سياسية واضحة.
خلفيات استخباراتية وإخفاقات إسرائيلية
وأشار المسؤول البريطاني السابق إلى أنه، رغم خبرته الطويلة في مواجهة الحرس الثوري الإيراني، يشعر بالأسف لأن الواقع الحالي يدل على أن طهران تحقق تقدمًا ميدانيًا ملموسًا. وتحدث أيضًا عن القمع الدموي الذي أعقب احتجاجات يناير/كانون الثاني الماضي، حيث قال إن عشرة آلاف متظاهر قُتلوا برصاص قوات الحرس الثوري في الشوارع، بينما أكدت مصادر رسمية إيرانية وفاة خمسة آلاف على الأقل، وقدرّت منظمات حقوقية الرقم بنحو سبعة آلاف.
وفي جانب آخر، كشف يونغر أن الوعود التي قدمها جهاز الموساد للحكومة الأمريكية بشأن قدرته على إحداث «تغيير للنظام» في إيران لعبت دورًا في إقناع واشنطن بخوض الحرب. لكن تقارير لاحقة — منها ما نشرته نيويورك تايمز — أظهرت أن تلك الوعود كانت مبالغًا فيها.
كما انتقد يونغر فشل الحكومة الإسرائيلية في التعاطي مع التحذيرات الاستخباراتية قبل هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 الذي قادته حركة حماس، قائلاً: «كان ذلك فشلًا استخباراتيًا بكل المقاييس، والحكومة الإسرائيلية تجاهلت مؤشرات الخطر لأنها كانت ترى في حماس كيانًا خاضعًا للسيطرة».
دعوة للتبصر قبل الانزلاق
في ختام حديثه، حذر يونغر من أن الحرب الحالية تهدد بتوسيع رقعة الصراع الإقليمي وتقويض الاستقرار العالمي للطاقة، داعيًا إلى مراجعة سياسية شاملة قبل أن تتحول المواجهة إلى حرب مفتوحة يصعب إنهاؤها. وأكد أن دروس المرحلة تحتم على القوى الغربية الاعتراف بحدود القوة العسكرية حين تواجه خصمًا يتحرك بدافع الوجود لا المصلحة.
اقرأ المزيد
بين التهويل والواقع.. هل يضع صاروخ “خرمشهر” العواصم الأوروبية في مرمى النيران الإيرانية؟
فرصة أخيرة أم ترتيب أوراق؟ ترامب يعلق ضربات الطاقة في إيران مؤقتاً
بين التفاوض والتحشيد.. مطالب ترامب “المتشددة” تعرقل الحوار مع إيران والمارينز يتأهبون في المنطقة












